فن

بوجونيا: لانثيموس وستون يغوصان في عالم المؤامرة والبارانويا

كواليس فيلم Bugonia المنتظر وكيف حوّل يورجوس لانثيموس وإيما ستون القلق العالمي إلى كوميديا سوداء

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

في عمل يمزج الكوميديا السوداء بالخيال النفسي، يكشف المخرج اليوناني يورجوس لانثيموس والنجمة إيما ستون عن كواليس فيلم Bugonia، الذي يعيد تقديم رائعة كورية في سياق عالمي مشبع بالقلق ونظريات المؤامرة. الفيلم، الذي يشارك في بطولته جيسي بليمنز، لا يكتفي بإعادة السرد، بل يتغلغل في عمق الهوس البشري المعاصر وعلاقته المرتبكة بالحقيقة.

يأتي الفيلم في لحظة فارقة يتصاعد فيها انعدام الثقة في السرديات الكبرى، حيث تتداخل الحقائق مع الأوهام عبر منصات التواصل الاجتماعي. ومن خلال حبكته التي تدور حول شخصيتين تختطفان مديرًا تنفيذيًا لاعتقادهما بأنه كائن فضائي يخطط لتدمير الأرض، يطرح لانثيموس سؤالاً جوهرياً حول من يملك الحقيقة في عالم فقد بوصلته، مستثمراً أسلوبه البصري الفريد في تشريح الفوضى التي تحكم علاقتنا بالواقع.

من كوريا إلى عالم الوباء

بدأت فكرة الفيلم عندما عرض المخرج آري آستر على كاتب السيناريو ويل تراسي مشاهدة الفيلم الكوري الكلاسيكي Save the Green Planet. يوضح تراسي: “أدركت فوراً أن فيه بذرة يمكن تحويلها إلى فيلم جديد كلياً بروح أميركية معاصرة”. تزامن ذلك مع فترة الإغلاق بسبب جائحة كورونا، وهو ما تسلل إلى النص دون قصد، حيث يقول: “كنت أكتب وأنا غارق في القلق والارتباك، لا أعرف ماذا أصدق، وهذا الشعور أصبح جزءاً من الحمض النووي للسيناريو”.

هذا السياق الزمني لم يكن مجرد خلفية، بل أصبح محركاً أساسياً للأحداث، فالبارانويا التي عاشها العالم وقتها وجدت صداها في شخصيات الفيلم. وقد التقط يورجوس لانثيموس هذا الإحساس فور قراءته للنص، قائلاً: “انجذبت إليه بغريزتي، واكتشفت لاحقاً كم يعكس الفيلم حالة عالمنا الراهنة، بما فيها من خوف وارتباك وتضليل، لكنه يترك للجمهور مساحة ليجد تأويله الشخصي”.

إيما ستون: بين الضحية والجلاد

تحدثت إيما ستون، التي تشارك في الإنتاج أيضاً، عن انجذابها الفوري للغموض الذي يكتنف الشخصيات. “أحببت كيف يجعلنا السيناريو نتأرجح بين الشك واليقين: هل ما تقوله الشخصية حقيقي أم وهم؟ وهل شخصية تيد (بليمنز) ضحية أم جلاد؟”. هذا التلاعب بإدراك المشاهد هو السمة المميزة لأعمال لانثيموس، حيث يصبح الحكم على الشخصيات مهمة مستحيلة.

وعن مشهد حلاقة رأسها بالكامل، أكدت ستون أن القرار كان جزءاً لا يتجزأ من الشخصية التي تؤمن بأنها تتواصل مع كائنات فضائية عبر هذه الطقوس. “لم يكن هناك بديل أو نقاش حول باروكة، كان هذا هو الخيار الوحيد للشخصية”. فيما اعتبر جيسي بليمنز أن الفيلم يعبر عن واقع “مشوّش ومليء بالذعر والبارانويا”، مضيفاً أن العمل يضع شخصين من عالمين متناقضين في غرفة واحدة لمواجهة بعضهما بلا وسائط.

عدسة تكشف الروح وتوازن دقيق

لجأ لانثيموس إلى نظام التصوير القديم VistaVision، وهو قرار أشاد به طاقم العمل. تقول ستون: “هذا القرار منح الصورة طابعاً مهيباً ومكثفاً، وكأنك ترى كل مشهد من ذاكرة شخصية”. هذا الخيار البصري ليس جمالياً فقط، بل يخدم الفكرة الأساسية للفيلم، حيث تبدو الأحداث وكأنها رؤى داخلية مشوهة أكثر من كونها وقائع موضوعية.

وعن التوازن بين الكوميديا السوداء والدراما، يرى لانثيموس أنهما “توأمان في عمل كهذا”. ويضيف: “الفيلم ليس معادلة منطقية، بل يكتشف نفسه في الطريق. لا أحاول فرض المعنى، بل أتابع الإحساس”. هذا النهج يمنح أفلامه تلك النبرة الفريدة التي تتأرجح بين المأساة والسخرية، تاركة المشاهد في حيرة بناءة حول ما يجب أن يشعر به.

شراكة فنية متناغمة

يعكس فيلم Bugonia عمق الشراكة الفنية بين لانثيموس وستون وبليمنز، والتي ترسخت بعد فيلمهما السابق Kinds of Kindness. يصف بليمنز هذه العلاقة بأنها مبنية على “الثقة المتبادلة” التي تسمح بالاكتشاف والارتجال. وتضيف ستون: “يورجوس هو الشاطئ، ونحن القوارب. نبحر ونعود إليه، ومن دونه نغرق، لكنه لا يقيدنا أبداً”.

في النهاية، يظل Bugonia امتداداً لعالم لانثيموس السينمائي الذي يختبر حدود الإنسان أمام الجنون الجماعي. إنه فيلم عن الإيمان والخوف والحاجة الدائمة لتصديق شيء ما، حتى لو كان مستحيلاً. وكما يقول المخرج اليوناني، فإن الفيلم “ليس إجابة، ولكنه سؤال كبير عن أنفسنا، وعن كيف نصنع عوالمنا البديلة كي نحتمل الواقع”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *