انهيار بنك آينده يكشف عن أزمة عميقة في النظام المالي الإيراني ويؤجج الاحتجاجات
فشل مصرفي ضخم يثير غضباً شعبياً ويقوض الثقة في الاقتصاد الإيراني المترنح.

شهدت إيران في أكتوبر الماضي حل بنك آينده، أحد أبرز المصارف الكبرى في البلاد، بعد أن عصفت به الديون المتعثرة. وقد سلطت هذه الخطوة الضوء على مكامن ضعف عميقة في النظام المالي الإيراني، مثيرةً موجة واسعة من عدم الثقة.
تتجاوز جذور الاحتجاجات المستمرة في إيران الأسباب الظرفية، إذ تعود إلى مشكلات اقتصادية عميقة لا يتوقع زوالها سريعاً، بغض النظر عن مآلات هذه التحركات التي يقمعها نظام الملالي بعنف. وفي هذا السياق، أعلنت منظمة حقوق الإنسان في إيران (IHR) يوم الأربعاء عن مقتل ما لا يقل عن 3428 متظاهراً منذ بدء الحراك، إضافة إلى اعتقال أكثر من 10 آلاف شخص.
تجلت مؤشرات التدهور الاقتصادي بوضوح متزايد عقب الحرب ضد إسرائيل والولايات المتحدة، وسط تفاقم التضخم وتدهور حاد في قيمة العملة المحلية مقابل الدولار. وقد كشفت نهاية أكتوبر الماضي عن هشاشة بالغة في النظام المصرفي، وفقاً لما أوردته صحيفة وول ستريت جورنال.
تجمعت طوابير طويلة أمام فروع بنك آينده (الذي يعني “المستقبل” بالفارسية)، أحد المصارف الكبرى في البلاد، بعد إعلان السلطات عن حله. وكان البنك قد تأسس في أوائل العقد الثاني من الألفية الثالثة بدعم من الرئيس المحافظ آنذاك، محمود أحمدي نجاد.
حقق البنك نجاحاً في البداية بجذب الأفراد والشركات الصغيرة عبر تقديم أسعار فائدة مغرية، قبل أن يشهر إفلاسه عام 2018. ورغم محاولات دمجه في بنك حكومي وإصدار كميات ضخمة من العملة، لم تتمكن هذه الإجراءات من تسوية ديونه الهائلة. ووفقاً لمدير الرقابة المصرفية في البنك المركزي الإيراني، الذي نقلت عنه بلومبرغ، بلغت ديون البنك ما يعادل 5.5 مليار دولار (أكثر من 2% من الناتج المحلي الإجمالي الإيراني)، مقابل رأسمال لا يتجاوز 15 مليون دولار.
نظام بونزي
إلى جانب العقوبات التي عزلته عن النظام المصرفي العالمي، تآكل بنك آينده جراء الديون المتعثرة، ودارت حوله شبهات بخدمة مصالح شخصية. وأشارت وول ستريت جورنال إلى أن مدير الرقابة المصرفية بالبنك المركزي وصفه بـ “نظام بونزي”. وقد استُثمر 90% من أموال البنك في تمويل مشاريع ضخمة، تتناقض ضخامتها مع التدهور التدريجي في مستوى معيشة السكان الإيرانيين.
استثمر بنك آينده أموال عملائه، بشكل خاص، في “إيران مول”، الذي تصفه طهران بأنه أكبر مركز تجاري في العالم. ورغم بنائه قبل عودة العقوبات الاقتصادية الأمريكية في نوفمبر 2018، أصبحت قيمته اليوم غير مؤكدة إلى حد كبير. وقد أثارت هذه المعلومات غضباً عارماً وقوضت الثقة في النظام المالي، خاصة وأن خمسة بنوك أخرى (سرمایه، داي، سباه، إيران زمين، وملل) تواجه صعوبات مماثلة.
مع إعلان البنك إفلاسه في أكتوبر الماضي، اجتاحت حالة من الذعر المدخرين، لتشعل فتيل الأزمة التي تصاعدت إلى الاحتجاجات الراهنة. ووفقاً لما أورده موقع كاسبيان بوست، شهدت طهران مشاهد فوضوية حيث تجمعت حشود أمام فروع آينده السابقة، رافعين دفاتر حساباتهم ومطالبين بالوصول إلى أموالهم، في مواجهة شرطة مكافحة الشغب التي حاولت منع المتظاهرين.
صرح رضا كريمي، تاجر يبلغ من العمر 55 عاماً، والذي انتظر لأكثر من أربع ساعات تحت حرارة شديدة، ونقل عنه كاسبيان بوست قوله: “لقد أمضيت عشرين عاماً في الادخار هنا من أجل مستقبل أطفالي. الآن، أشعر أن كل شيء يتبدد. كيف يمكنني أن أثق ببنك بعد هذا؟”
حاولت الحكومة طمأنة السكان، وأكد محافظ البنك المركزي الإيراني أن “الودائع حتى الحد المضمون البالغ 100 مليون ريال (حوالي 200 دولار) لكل حساب ستكون محمية بالكامل”. لكن هذه المحاولات باءت بالفشل، وتصاعد الغضب ليجتاح جميع شرائح المجتمع.
تراجع أسعار النفط
علاوة على ذلك، يعاني الاقتصاد الإيراني هيكلياً من تراجع أسعار النفط. ففي العام الماضي، انخفض سعر برميل برنت بنسبة 25%، وكان التراجع أشد وطأة على النفط الإيراني الذي يباع بخصم، بشكل رئيسي للمصافي الصينية. وقد أدى هذا الانخفاض في أسعار النفط الخام إلى تقويض الإيرادات الضريبية للدولة الإيرانية، التي شددت بدورها إجراءات التقشف تدريجياً، بما في ذلك زيادة أسعار الوقود.
وبينما كانت المطالب الأولية للمتظاهرين تركز على الصعوبات الاقتصادية، بدأت شعارات موجهة مباشرة ضد السلطة الإسلامية تظهر تدريجياً في المسيرات، حيث سُمع هتافات مثل “الموت للديكتاتور” وإشادات بالنظام الملكي السابق.






