اقتصاد

اليونان تتراجع عن ضريبة الكربون البحرية وتكسر الإجماع الأوروبي

محررة اقتصادية في منصة النيل نيوز، متخصصة في رصد المؤشرات الاقتصادية وصياغتها بلغة واضحة للجمهور

في خطوة قد تعيد رسم ملامح السياسات البيئية العالمية، تستعد اليونان للتراجع عن دعمها لـ ضريبة الكربون البحرية العالمية. هذا الموقف لا يضع أثينا، التي تمتلك ثاني أكبر أسطول تجاري في العالم، في مواجهة مباشرة مع الاتحاد الأوروبي فحسب، بل يتقاطع أيضاً مع اعتراضات واشنطن القوية.

وتخطط أثينا للامتناع عن التصويت النهائي هذا الأسبوع على مقترح المنظمة البحرية الدولية (IMO)، الذي يهدف إلى إلزام صناعة الشحن بدفع تكلفة انبعاثات الغازات الدفيئة السنوية، والتي تتجاوز مليار طن. ويعكس هذا القرار تحولاً استراتيجياً يأخذ في الاعتبار المصالح الاقتصادية الضخمة لقطاع الشحن اليوناني في مواجهة تشريعات بيئية عالمية طموحة.

خلفيات القرار وتحفظات قديمة

رغم أن اليونان صوتت في أبريل الماضي لصالح مسودة الخطة، إلا أن مصادر مطلعة أكدت أن أثينا كانت دائماً متحفظة على إطار “صفر انبعاثات” وتأثيره المحتمل على صناعة الشحن. ويشير هذا التناقض الظاهري إلى أن التصويت الأولي ربما كان تكتيكياً للبقاء ضمن دائرة المفاوضات، بينما يعبر الامتناع الحالي عن موقف أكثر حزماً بعد وضوح تفاصيل الخطة النهائية وتكاليفها.

وقد أبلغت أثينا السلطات الأوروبية بتحفظاتها كتابياً قبل فترة طويلة من التصويت، موضحة أن الإطار المقترح يعتمد على وقود وتقنيات غير متوافرة على نطاق واسع. كما أنه يفرض عقوبات صارمة على من لا يلتزم، مما سيؤدي حتماً إلى ارتفاع التكاليف التشغيلية مع سعي الشركات للحصول على إمدادات محدودة من البدائل النظيفة.

صدام بين طموحات بروكسل ومصالح واشنطن

يضع الموقف اليوناني الدولة في قلب صراع جيوسياسي بين حلفائها. فبينما يدفع الاتحاد الأوروبي دوله الأعضاء لدعم ضريبة الكربون البحرية كجزء من أجندته لقيادة جهود مكافحة تغير المناخ عالمياً، تعارض الولايات المتحدة الخطة بشدة. وقد هددت واشنطن بإجراءات مضادة تشمل فرض رسوم موانئ وقيود على التأشيرات، مقترحةً تعقيدات إجرائية إضافية من شأنها عرقلة تنفيذ الضريبة.

ويشكل امتناع اليونان عن التصويت خرقاً واضحاً للموقف الأوروبي الموحد، مما يضعف من قدرة الكتلة على فرض رؤيتها في المحافل الدولية. وكانت “المفوضية الأوروبية” قد وصفت الإطار بأنه “خطوة مهمة” نحو إزالة الكربون من قطاع الشحن، وهو ما يجعل الموقف اليوناني تحدياً مباشراً لسياسات بروكسل المركزية.

مستقبل غامض للضريبة العالمية

في ظل المعارضة الأمريكية القوية والموقف اليوناني المتحفظ، يبدو أن اعتماد الإطار الجديد بشكل نهائي ليس مضموناً، على الرغم من الدعم الواسع الذي حظيت به المسودة الأولية. وتُظهر هذه التطورات أن الطريق نحو تنظيم بيئي عالمي لقطاع الشحن محفوف بالتحديات الاقتصادية والسياسية، حيث تتصادم الأهداف البيئية الطموحة مع الواقع العملي لواحدة من أهم الصناعات العالمية.

وتحتل اليونان المرتبة الثانية عالمياً كأكبر دولة مالكة للسفن بعد الصين، وفقاً لبيانات شركة “كلاركسون ريسيرتش سيرفيسز”، وهو ما يمنح موقفها وزناً كبيراً في أي مفاوضات دولية تتعلق بـ صناعة الشحن. وبالتالي، فإن قرارها بالامتناع قد يشجع دولاً أخرى تمتلك أساطيل كبيرة على اتخاذ مواقف مماثلة، مما يهدد المقترح برمته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *