اقتصاد

المليون دولار لم يعد يكفي: حلم الثراء يصطدم بالواقع

صحفي اقتصادي في منصة النيل نيوز، متخصص في متابعة أسواق المال والتقارير الاقتصادية المحلية والعالمية

في عالم اليوم، لم تعد كلمة “مليونير” تحمل البريق ذاته الذي كانت عليه قبل عقود. فبينما يتزايد عدد أصحاب الملايين في أمريكا بشكل غير مسبوق، يجد الكثيرون منهم أن ثروتهم الورقية لا تترجم إلى حياة الرفاهية التي كانوا يحلمون بها، في ظل واقع اقتصادي معقد.

للمفارقة، في أواخر القرن التاسع عشر، استغرق تحقيق صحفي 18 شهرًا لإحصاء 4047 مليونيرًا فقط في الولايات المتحدة بأكملها. أما اليوم، فقد قفز العدد ليتجاوز 24 مليون أسرة، أي ما يعادل أسرة من كل خمس أسر أمريكية، وأصبح ثلثهم من أصحاب الملايين منذ عام 2017 فقط بفضل طفرة أسعار العقارات وسوق الأسهم.

ثروة على الورق.. وأموال محبوسة

لكن هذا الانفجار في أعداد المليونيرات لا يعني أن جيوبهم ممتلئة بالأموال السائلة. الحقيقة أن الثروة الكبرى لهؤلاء محبوسة في أصول يصعب تحويلها إلى سيولة نقدية بسرعة، مثل منازلهم الأساسية، أو بشكل متزايد، في حسابات التقاعد المقيدة بسن معين مثل خطط “401k” الشهيرة.

بالنسبة للشريحة الأكبر من المليونيرات الجدد، الذين تتراوح ثروتهم الصافية بين مليون ومليوني دولار، فإن 66% من هذه الثروة مجمدة في منزل العائلة وحسابات التقاعد. وهو ما يؤكده أشتون لورانس، المستشار المالي، بقوله: “كانت كلمة مليونير تعني الثراء الفوري، لكن المعايير تغيرت. لا يزال إنجازًا كبيرًا، لكنه لم يعد كافيًا لمعظم الناس”.

التضخم والفائدة.. ضربة مزدوجة للسيولة

يأتي التضخم ليوجه ضربة أخرى لهذا الحلم، فمليون دولار اليوم لا يشتري ما كان يشتريه قبل عشر سنوات. وإذا فكر المليونير في اقتراض المال بضمان أصوله، فإنه يصطدم بعقبة أسعار الفائدة المرتفعة التي تجعل تكلفة الاقتراض باهظة، سواء من خلال قروض الرهن العقاري أو القروض بضمان المحافظ الاستثمارية.

هذا الشعور بـ”فقر السيولة” يلخصه المخططون الماليون في أن ارتفاع قيمة الأصول على الورق لا يمنح أصحابها شعورًا حقيقيًا بالثراء، خاصة عندما يكون الوصول إلى هذه الأموال مكلفًا ومعقدًا. فالمليونير الحقيقي الذي يستطيع الإنفاق بحرية يحتاج اليوم إلى ثروة تتجاوز 5 ملايين دولار، حيث تزيد نسبة الأصول السائلة لديه.

لماذا يصعب تسييل الأصول؟

قد يبدو الحل بسيطًا: بيع الأصول. لكن الواقع أكثر تعقيدًا. فبيع المنزل لا يعني فقط تكاليف باهظة ومتاعب الانتقال، بل يعني أيضًا التخلي عن قرض عقاري قديم بفائدة منخفضة، والبحث عن منزل جديد في سوق عقاري صعب. أما بيع الأسهم الرابحة، فقد يؤدي إلى فواتير ضريبية ضخمة تلتهم جزءًا كبيرًا من الأرباح.

فجوة الأجيال في تركيبة الثروة

تختلف قصة المليونير باختلاف جيله. فالأجيال الأكبر سنًا كان لديها وقت أطول لبناء ثرواتها في حسابات التقاعد، والتي يمكنهم السحب منها بحرية أكبر بعد سن الستين. في المقابل، يحتفظ جيل الألفية بنسبة أقل من ثرواتهم في حسابات التقاعد (27%) مقارنة بجيل الطفرة السكانية (37%)، مما يعكس اختلاف مسارات تكوين الثروة.

في النهاية، لم يعد امتلاك مليون دولار تذكرة ذهبية لترك الوظيفة والعيش برفاهية. قد يكفي هذا المبلغ لتأمين حياة مريحة للطبقة المتوسطة، لكن نمط حياة المليونير التقليدي، بمنازل العطلات واليخوت والتسوق الفاخر، أصبح بعيد المنال. ولعل المثال الصارخ يأتي من نيويورك: سلة من متطلبات الحياة المترفة كانت تكلف 1.4 مليون دولار قبل عقد، أما اليوم فتكلفتها 2.1 مليون دولار.

وكما يقول المخطط المالي توماس مورفي، فإن الإحباط الذي يشعر به البعض اليوم له ما يبرره: “يعتقدون أن مليون دولار سيحل كل مشاكلهم، بينما في الواقع، أصبحنا في زمن يحتاج فيه المرء للتفكير في 10 ملايين دولار”. هذه البيانات مأخوذة من دراسات أجراها مكتب الإحصاء الأميركي والاحتياطي الفيدرالي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *