“القاتل الصامت” يلتهم غرب أوروبا: كيف كشفت موجة الحر عجز البنية التحتية للقارة؟
آلاف الوفيات الزائدة تضع خطط التكيف المناخي الأوروبية في مهب الريح

كشفت موجة الحر الأخيرة التي ضربت غرب أوروبا عن ثغرات عميقة في جاهزية البنية التحتية للقارة لمواجهة التطرف المناخي، حيث تشير بيانات أولية نشرتها مجلة بوليتيكو إلى تسجيل ما لا يقل عن 14 ألف حالة وفاة زائدة في ست دول أوروبية خلال أسبوعين فقط. وتأتي هذه الحصيلة الصادمة في وقت يؤكد فيه مرصد كوبرنيكوس لتغير المناخ التابع للاتحاد الأوروبي أن القارة الأوروبية باتت تسخن بمعدل ضعف المعدل العالمي، مما يجعل مدنها التاريخية غير المهيأة إنشائياً عرضة لمخاطر مميتة.
وتبرز الفوارق الهيكلية بين دول الشمال والجنوب الأوروبي كعامل حاسم في تحديد معدلات الوفيات؛ إذ سجلت إسبانيا 812 حالة وفاة زائدة تُعزى مباشرة للحرارة وفقاً لنظام الرصد التابع لمعهد كارلوس الثالث للصحة. ويعزو خبراء انخفاض الوفيات النسبي في إسبانيا مقارنة بدول شمالية إلى انتشار مكيفات الهواء التي تغطي نحو 40% من المنازل الإسبانية، مقارنة بمتوسط لا يتجاوز 20% في عموم أوروبا، وهو ما يترك سكان الدول الشمالية بلا وسائل حماية كافية داخل منازلهم المصممة تاريخياً للاحتفاظ بالحرارة وليس طردها.
في المقابل، سجلت بلجيكا حصيلة قياسية بلغت 1747 حالة وفاة زائدة بين 18 يونيو و1 يوليو، وهو ما وصفه معهد “ساينسانو” للصحة العامة بأنه موجة الحر الأكثر فتكاً في البلاد منذ بدء تسجيل البيانات عام 2000. وفي ألمانيا، أعلن مكتب الإحصاء الاتحادي عن تسجيل 6800 حالة وفاة زائدة خلال الأسبوع الممتد من 22 إلى 28 يونيو، مما يبرهن على أن غياب خطط الطوارئ الوطنية الفعالة في مواجهة الإجهاد الحراري يضاعف من وطأة الكارثة.
وتعيد هذه الأرقام إلى الأذهان كارثة موجة الحر التاريخية عام 2003 التي حصدت أرواح أكثر من 70 ألف شخص في أوروبا، وتسببت حينها في مراجعة واسعة لسياسات الرعاية الصحية. ومع ذلك، أظهرت بيانات حديثة نشرتها خدمة رصد الوفيات يورومومو، المدعومة من منظمة الصحة العالمية، أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي سجلت 10 آلاف و650 حالة وفاة زائدة في أسبوع واحد فقط ممتد بين 22 و28 يونيو، مما يشير إلى أن خطط التكيف الحالية لا تزال قاصرة عن مجاراة وتيرة التغير المناخي المتسارعة.
وفي فرنسا، التي كانت بؤرة كارثة 2003، سجلت وكالة الصحة العامة الفرنسية 2025 حالة وفاة زائدة في أواخر يونيو، بزيادة بلغت 29% مقارنة بالأسبوع السابق. وتركزت هذه الوفيات بشكل خاص في منطقة إيل دو فرانس التي تضم العاصمة باريس، حيث قفزت الوفيات بنسبة 62.8% بواقع 619 حالة وفاة زائدة، مما يضع كفاءة شبكات التبريد الحضرية والمباني السكنية القديمة تحت مجهر الانتقادات العلمية.
وفي بريطانيا، تشير تقديرات نشرها باحثون من إمبريال كوليدج لندن ومكتب الأرصاد الجوية البريطاني إلى أن 42% من الوفيات المرتبطة بالحرارة في إنجلترا وويلز، والتي قُدرت بنحو 2200 حالة وفاة في أواخر يونيو، تُعزى مباشرة إلى التغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية. ونقل الباحثون عن وزير الطاقة البريطاني إد ميليباند قوله إن هذه الموجات القياسية تثبت أن أزمة المناخ باتت واقعاً يعصف بالبلاد حالياً وليست مجرد تهديد مستقبلي.
أما في هولندا، فقد رصد المعهد الوطني للصحة العامة 480 حالة وفاة زائدة خلال الأسبوع الأخير من يونيو، مؤكداً أن غالبية الوفيات تركزت بين الفئات العمرية التي تتجاوز 80 عاماً.











