عرب وعالم

العرض العسكري الصيني المهيب: بكين ترد على اتهامات ‘استعراض العضلات’ وتكشف أسرار قوتها للعالم

في مشهد مهيب خطف أنظار العالم بأسره، نظمت الصين، الأربعاء، عرضًا عسكريًا ضخمًا احتفاءً بالذكرى الثمانين لانتصارها على اليابان في الحرب العالمية الثانية. هذا الاستعراض غير المسبوق للقوة العسكرية، الذي شهده حلفاء بكين النوويون، أثار تساؤلات حائرة حول الرسائل الحقيقية التي أرادت الصين توجيهها من خلال ‘استعراض العضلات’ هذا.

الصين: درع السلام ضد التنمر

في تصريح خاص لـ “الشرق”، شدد تشو بو، الزميل بمركز الأمن والاستراتيجية الدولية بجامعة تسينجهوا الصينية والضابط المتقاعد، على أن هذا العرض بعث برسائل قوية ومفادها أن البلاد لن تقبل بالتنمر عليها مرة أخرى. وأكد أن الصين قد صاغت “درع السلام” لضمان أمنها وسلامة العالم، مستشهداً بالفلسفة الصينية العميقة التي ترى أن “فن الحرب الحقيقي هو فن وقف الحروب“.

يتفق معه الباحث الصيني تشنج يونج نيان، رئيس مجلس إدارة معهد قوانجتشو لمنطقة الخليج الكبرى، الذي أوضح لـ “الشرق” أن إحياء ذكرى النصر ومراجعة التاريخ يهدفان أساسًا إلى منع تكرار المآسي والحروب. وأضاف أن بلاده “تتخذ التاريخ مرآةً للحماية من الصراعات المستقبلية“، مشيرًا إلى أن العرض العسكري “حمل أهمية تتجاوز مجرد عرض للأسلحة أو مصدر فخر وطني، بل هو بمثابة صرح وطني راسخ يضمن وقوف الأمة بثبات على الساحة العالمية”.

رد صيني حاسم: القوة للردع لا للاستعراض

في رد حاسم على الانتقادات الغربية التي تتهم بكين بـ “استعراض العضلات” من خلال هذه العروض، أكد تشنج يونج نيان أنه “لا عيب في امتلاك القوة”. وأوضح أن الأمة التي تفتقر إلى القدرات الدفاعية قد تصبح هدفًا للنوايا الخبيثة، بينما تعمل الأمة ذات القوة على ردع العدوان ومنعه.

وأضاف تشنج: “نحن لا نستعرض عضلاتنا لجعل الدول الأخرى تحدق بها”، بل تكمن أهمية العرض في تعزيز ثقة الأمة في قدرتها على تأمين مكانتها في العالم. وأكد أن “الإنسان دون وسائل الدفاع عن النفس سيتعرض للتنمر”.

بكين تنفي تشكيل تكتل مع روسيا وكوريا الشمالية

على الرغم من حضور قادة روسيا وكوريا الشمالية العرض العسكري إلى جانب زعماء آخرين، فإن التكهنات حول اجتماع ثلاثي بين الرئيس الصيني شي جين بينج ونظيريه الروسي فلاديمير بوتين والكوري كيم جونج أون لم تتحقق. وقد عُقدت اجتماعات ثنائية فقط، حيث أجرى الرئيس الصيني محادثات مع كيم جونج أون بعد يوم من العرض العسكري، إثر اجتماع كيم مع بوتين.

في هذا السياق، يرى تشو فنج، عميد كلية العلاقات الدولية بجامعة نانجينج، أنه “من الخطأ الاعتقاد بأن الصين وروسيا وكوريا الشمالية تعمل على تشكيل تكتل”. وأشار إلى أن بلاده ترفض العودة إلى مرحلة التحالفات العسكرية التي سادت في عام 1950، على الرغم من استئناف العلاقات بين روسيا وكوريا الشمالية كتحالف عسكري مؤخرًا، وإرسال بيونج يانج قوات لدعم روسيا في صراعها مع أوكرانيا.

ويستذكر تشو إرسال الصين جنود “متطوعي الشعب” إلى كوريا الشمالية في عام 1950 للمشاركة في “حرب مقاومة العدوان الأميركي”، في إشارة إلى الحرب الكورية بين الشمال المدعوم شيوعيًا والجنوب المدعوم أمريكيًا، والتي استمرت حتى عام 1953. وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، قوه جيا كون، قد انتقد ادعاء الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بأن “قادة الصين وروسيا وكوريا الشمالية يتآمرون ضد الولايات المتحدة”، مؤكدًا أن تطوير بلاده علاقاتها الدبلوماسية “مع أي دولة لا يستهدف أي طرف ثالث” بوضوح.

بكين ترفض “التحيز الأيديولوجي” الغربي

ردًا على تعليق مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، بأن حضور قادة روسيا وكوريا وإيران العرض العسكري “يمثل تحالفًا استبداديًا يتحدى النظام الدولي القائم”، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، إن تصريحات كالاس “مليئة بالتحيُّز الأيديولوجي، وتُظهر نقصًا في المعرفة التاريخية الأساسية”، رافضًا تلك الاتهامات.

من جانبه، اعتبر الأستاذ في معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية التابع لكلية الحزب المركزية للحزب الشيوعي الصيني والأكاديمية الوطنية للحوكمة، ليانج يابين، أن “بعض السياسيين ومراكز الفكر الغربية بدأت تتجاهل أو تقلل من شأن الدور الاستراتيجي للصين ومساهماتها الكبيرة في انتصار الحرب العالمية الثانية“. وأكد ليانج لـ “الشرق” أن العرض العسكري جاء ليكون ردًا مباشرًا وحاسمًا على هذه الآراء الإشكالية.

رسالة تايوان: سيادة ووحدة لا تقبلان المساومة

يُعد يوم النصر أول عرض جماعي للهيكل الجديد لقوة الجيش الصيني بعد تعميق الإصلاحات والتحديث الشامل، مما أسفر عن تشكيل هيكل متطور للخدمات والأسلحة العسكرية. وأكد تشو بو، الضابط الصيني السابق، لـ “الشرق” أن “أنظمة الأسلحة المعروضة أظهرت عزم الصين على حماية سيادتها وسلامة أراضيها وقدرتها على الدفاع ضد أي محاولة لفصل جزيرة تايوان عن الوطن الأم”.

كان لافتًا في العرض العسكري ظهور مقاتلات شبحية بقيادة J-35، بالإضافة إلى أسلحة قتالية جوية دون طيار تظهر للمرة الأولى، مما يعكس التقدم الهائل في قدرات الصين الدفاعية والجوية.

أسلحة نووية متطورة تُعرض لأول مرة

بالإضافة إلى ذلك، استعرضت الصين قواتها النووية عبر البر والبحر والجو لأول مرة، بما في ذلك إطلاق صاروخ DF-61 العابر للقارات الأرضي، وصاروخ DF-5C النووي الاستراتيجي السائل العابر للقارات، القادر على استهداف أي موقع في العالم، مما يؤكد مدى تغلغل قوتها.

ووصف تشو بو العرض بأنه “مدهش”، مؤكدًا تميز بلاده في التقنيات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي. وأشار إلى أن “من بين المعدات المعروضة، تُعتبر الصواريخ الباليستية العابرة للقارات (ICBMs) مثيرة للإعجاب بالفعل، وشوهدت في فعاليات سابقة”. واعتبر أن “الجديد والملفت للنظر بشكل خاص في المعرض هو صاروخ JL3 ICBM، وهو صاروخ يمكن إطلاقه من تحت الماء”، ما يضيف بعدًا استراتيجيًا لقدرات الصين البحرية.

وكان وو زيك، نائب مدير مكتب المجموعة القيادية للعرض العسكري وهو ضابط كبير في هيئة الأركان المشتركة للجنة العسكرية المركزية، قد صرح في 20 أغسطس، بأن جميع المعدات التي عُرضت خلال العرض العسكري جرى اختيارها من معدات صينية محلية الصنع في الخدمة الفعلية، مع ظهور العديد من الأنظمة للمرة الأولى أمام الجمهور، مما يؤكد الاكتفاء الذاتي والتطور الصناعي العسكري الصيني.

وشهد العرض منصات رئيسية أخرى للقوات الجوية للجيش الصيني، وكشفت لقطة مقربة لمقاتلة J-20S عن قمرة قيادة بمقعدين، ما يشير إلى أنها نسخة مُطورة عن طائرة J-20. وقال المحلل العسكري وي دونجكسو، إن هذه النسخة ذات المقعدين لا تدعم المهام الأطول فحسب، بل تسمح أيضًا بالتعاون بشكل أفضل مع الطائرات دون طيار القتالية، مما يعزز من مرونة وتكتيكات القتال الجوي الحديثة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *