الشلل الرعاش: هل يختبئ الخطر في جزيئات البلاستيك التي نتنفسها؟
دراسة صينية تكشف عن "تهديد بيئي" جديد يفاقم أمراض المخ

خطر خفي يتهدد عقولنا، يتسلل بصمت إلى أجسادنا وبيئتنا. تلوث البلاستيك، الذي بات يملأ كل زوايا الأرض، قد يكون المحرك الخفي وراء تزايد حالات الشلل الرعاش. مراجعة بحثية حديثة تشير بقوة إلى أن جزيئات البلاستيك الدقيقة ومتناهية الصغر يمكن أن تعرقل العمليات الدماغية المرتبطة بهذا المرض، أمر يثير قلقاً بالغاً في دول مثل مصر التي تواجه تحديات جسيمة في إدارة النفايات البلاستيكية المتكدسة في مدنها وشواطئها.
صحيح أن مرض الشلل الرعاش يرتبط بعوامل خطر متعددة، لكن التزايد المقلق في عدد المصابين به، حيث تضاعفت الإصابات خلال ربع القرن الماضي، قد يعود جزئياً إلى ارتفاع مستويات الملوثات في بيئتنا. إنه صعود مروع.
ولفهم هذا التهديد، جمع فريق من جامعتي جانان وقوانغتشو الطبيتين في الصين أكثر من مئة دراسة سابقة. شملت المراجعة دراسات على الحيوانات وتجارب معملية ونماذج حاسوبية، لبناء قضية دامغة تربط البلاستيك بالشلل الرعاش. لقد تتبعوا مسارات البلاستيك إلى أعمق أجزاء الجسم، بما في ذلك المخ.
لا يوجد دليل قاطع بعد على أن جزيئات البلاستيك الدقيقة هي السبب المباشر، لكن الباحثين يطالبون بتحقيق أوسع في هذا الارتباط. هناك حاجة ماسة لبيانات إضافية عن كيفية تراكم هذه الجزيئات المنتشرة في الجسم وإضرارها بصحة الإنسان. إنه نقص معلومات كارثي.
أشار الباحثون في ورقتهم المنشورة إلى أن “تكثيف التلوث بالبلاستيك عالمياً، جعل التهديدات المحتملة من جزيئات البلاستيك الدقيقة ومتناهية الصغر تشكل مصدر قلق رئيسي للصحة البشرية”. وأضافوا أن هذه الجزيئات “تدخل الكائن الحي عبر البلع والاستنشاق وملامسة الجلد، ثم تتراكم في أعضاء متعددة، خاصة المخ”. إنه اجتياح بيولوجي.
جزيئات البلاستيك الدقيقة هي أجزاء أصغر من خمسة مليمترات، أما متناهية الصغر فهي أصغر من ميكرومتر (ألف جزء من المليمتر). تتسرب هذه الجزيئات إلى البيئة بشتى الطرق، بدءاً من تحلل النفايات البلاستيكية وصولاً إلى المياه الناتجة عن غسل الملابس الاصطناعية. هذه مشكلة عالمية، تتفاقم في مناطق تعاني من ضعف البنية التحتية لإدارة النفايات، مثل بعض المدن العربية التي تفتقر إلى أنظمة فعالة لإعادة التدوير.
بالربط بين نتائج الدراسات السابقة، تؤكد المراجعة أننا نستهلك البلاستيك مع طعامنا وشرابنا، نستنشقه مع الهواء، بل ونمتصه عبر جلدنا. من هناك، تشق شظايا البلاستيك المجهرية طريقها إلى أدمغتنا، إما باختراق الحاجز الواقي للمخ أو بدخول الخلايا العصبية المبطنة لتجويف الأنف. إنه تسلل مذهل.
لتوقع ما قد يفعله البلاستيك داخل المخ، يشير الباحثون إلى دراسات تظهر أن جزيئات البلاستيك الدقيقة ومتناهية الصغر تحفز تكون تكتلات بروتينية سامة تُعرف باسم “ألفا-ساينوكلين”، وهي علامة مميزة لأدمغة المصابين بالشلل الرعاش.
وتقدم المراجعة أدلة على أن شظايا البلاستيك قد تدفع التهاب الأعصاب في المخ، وتعطل الاتصال بين المخ والأمعاء، وتنقل معادن ضارة إلى المخ، في عملية تُعرف بـ”موت الخلايا بسبب الحديد”. جميع أنواع هذا التلف كانت قد ارتبطت بمرض الشلل الرعاش في السابق.
سلسلة الأدلة الناشئة، التي تبدأ بجزيئات بلاستيكية متناهية الصغر وتصل إلى تلف في المخ مرتبط بالشلل الرعاش، مثيرة للاهتمام. لكن المؤلفين يقرون أن البحث الحالي في هذا الموضوع “محدود بشكل كبير”، وأن الآثار المزمنة للتعرض البشري والسمية “لا تزال غير محددة بشكل كامل”. تجب الإشارة إلى أن معظم الأعمال العلمية التي تم مراجعتها هنا تستند إلى اختبارات على الحيوانات أو تجارب على الخلايا في المختبر، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى انطباقها المباشر على البشر.
يكتب الباحثون أن “جزيئات البلاستيك الدقيقة ومتناهية الصغر، كملوثات بيئية منتشرة، تتسلل إلى البشر عبر طرق تعرض متعددة، وتخترق الحواجز البيولوجية، وتتراكم في الجهاز العصبي المركزي، مما يشكل خطراً بيئياً جديداً لتطور مرض الشلل الرعاش”.
التهديد لا يقتصر على المخ. كمية متزايدة من الأبحاث تربط هذه الملوثات بمشاكل في الخصوبة، ومقاومة المضادات الحيوية، ومشكلات القلب والأوعية الدموية، وغير ذلك. وقد جادل علماء مؤخراً بأن التلوث والأخطاء في النتائج الإيجابية شائعة جداً في هذا المجال البحثي. إنه تحدٍ منهجي.
يطالب الباحثون وراء هذه الدراسة الجديدة بجهود أكبر لتقليل التلوث بالبلاستيك، وتحسين إدارة النفايات، وإيجاد بدائل قابلة للتحلل الحيوي للبلاستيك الذي تسرب إلى جوانب حياتنا العديدة.
يجب أن يتغير الوضع مستقبلاً إذا أردنا فهم التهديدات الحقيقية لجزيئات البلاستيك الدقيقة ومتناهية الصغر فيما يتعلق بأمراض التنكس العصبي. ومع تقدم سكان العالم في العمر، من المرجح أن يستمر عبء أمراض مثل الشلل الرعاش في النمو.
ويؤكد الباحثون: “يجب أن تقارن الأبحاث المستقبلية بشكل منهجي كيف تؤثر خصائص جزيئات البلاستيك الدقيقة ومتناهية الصغر، بما في ذلك الحجم والشكل والشحنة السطحية ونوع البوليمر وحالة التحلل، على المسارات المرتبطة بمرض الشلل الرعاش”.








