الرياض ترسم ملامح اقتصاد المستقبل بالذكاء الاصطناعي والتمويل الخاص
مبادرة مستقبل الاستثمار تكشف عن استراتيجية سعودية متكاملة للتحول الاقتصادي تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة وجذب رؤوس الأموال العالمية

هيمن ملفا الذكاء الاصطناعي والتمويل الخاص على نقاشات “مبادرة مستقبل الاستثمار” في الرياض، في مشهد عكس بوضوح استراتيجية المملكة لإعادة تشكيل اقتصادها وتأمين موقع متقدم لها على الساحة الدولية. وركزت تصريحات المسؤولين على تذليل العقبات أمام بناء قطاعات جديدة وتطوير القائمة، مع التركيز على أدوات التمويل كعنصر محوري للنمو.
هذا التوجه انعكس مباشرة على التوقعات الاقتصادية، حيث رفع وزير الاقتصاد فيصل الإبراهيم تقديرات نمو اقتصاد السعودية إلى 5.1% هذا العام. وأوضح الإبراهيم أن المرحلة المقبلة سترتكز على “الإنفاق الذكي” وإصلاحات هيكلية لضمان نمو مستدام، مؤكداً أن ما هو قادم حتى 2030 يفوق ما تم إنجازه، وهو ما يتماشى مع تأكيد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان على أن المصلحة العامة هي البوصلة الرئيسية، مع الاستعداد لإجراء أي تعديل جذري لخدمة هذا الهدف.
«هيوماين».. ذراع المملكة في سباق الذكاء الاصطناعي
برز اسم شركة “هيوماين” بقوة في المؤتمر، كذراع رائدة للمملكة في مجال الذكاء الاصطناعي. وجاء الإعلان عن استحواذ صندوق الاستثمارات العامة وشركة “أرامكو السعودية” على حصة أقلية مؤثرة في الشركة ليؤكد مدى الرهان على هذا القطاع. الصفقة، التي لم تُكشف قيمتها، تظهر تحول عملاق النفط نحو التكنولوجيا كرافد أساسي للقيمة المضافة.
أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لـ”أرامكو”، شدد على أن الذكاء الاصطناعي والرقمنة باتا عنصرين حاسمين في عمليات الشركة، موضحاً أن ما يميز “أرامكو” اليوم ليس فقط الاستثمار في الهيدروكربونات، بل أيضاً في التكنولوجيا التي تحقق قيمة كبيرة. ويأتي هذا في سياق سعي المملكة لتنويع مصادر الدخل ضمن رؤية 2030.
خطط توسع طموحة
حققت “هيوماين” انتشاراً سريعاً عبر تطبيق المحادثة “هيوماين تشات”، الذي وصل عدد مستخدميه النشطين في السعودية إلى 300 ألف مستخدم منذ إطلاقه في أغسطس. وكشف رئيسها التنفيذي طارق أمين عن خطط للتوسع في 5 أسواق جديدة بنهاية العام، تستهدف دولاً خليجية والأردن وسوريا، كما تتطلع الشركة لطرح أسهمها في بورصتي الرياض ونيويورك خلال 3 إلى 4 سنوات.
طموحات الشركة لا تتوقف عند هذا الحد، إذ تسعى لتصبح ثالث أكبر مزود لقدرات الحوسبة عالمياً بعد الولايات المتحدة والصين. وتستهدف “هيوماين” نشر 18 ألف شريحة ذكاء اصطناعي بحلول 2026 كمرحلة أولى، وصولاً إلى 400 ألف شريحة بحلول 2030، مع تأكيدات بتقديم ضمانات للمسؤولين الأمريكيين للموافقة على بيع الشرائح المتقدمة للمملكة.
بنية تحتية متكاملة.. من مراكز البيانات إلى الطاقة
يتطلب هذا التوسع الهائل في القدرة الحوسبية بنية تحتية ضخمة، وهو ما دفع “هيوماين” للشراكة مع “بلاكستون” لبناء مراكز بيانات في المملكة باستثمار أولي يناهز 3 مليارات دولار. ولأن هذه البنية التحتية الرقمية تستهلك كميات هائلة من الطاقة، تسير المملكة بالتوازي في خطط طموحة لتعزيز قدراتها في الطاقة المتجددة.
وأكد وزير الطاقة الأمير عبد العزيز بن سلمان أن المملكة تكثف مشاريع الطاقة المتجددة وتخزين البطاريات، مشيراً إلى أن تكلفة المشاريع ذات السعة التخزينية في السعودية تنافسية للغاية عالمياً، وتقترب من تكلفة الصين، مما يضع المملكة على مسار الريادة في هذا المجال الحيوي لدعم الاقتصاد الجديد.
صناعة إلكترونية وطنية
لا يقتصر المشهد التكنولوجي على “هيوماين”، حيث تستعد شركة “آلات”، المملوكة أيضاً لصندوق الاستثمارات العامة، لافتتاح أول مصنع لها في الرياض لإنتاج الحواسيب والخوادم هذا العام، على أن تبدأ في تصنيع الهواتف الذكية العام المقبل. وتهدف الشركة، بحسب رئيسها التنفيذي أميت ميدها، إلى بناء مستقبل يرتكز على الذكاء الاصطناعي وتطوير الكفاءات الوطنية.
مركز عالمي لجذب الاستثمارات والتمويل
تحتاج هذه المشاريع العملاقة إلى تمويلات ضخمة، وهو ما دفع المملكة لتبني استراتيجية مزدوجة تعتمد على التمويل الحكومي وجذب الاستثمارات الأجنبية عبر تسهيلات تنظيمية. هذه الاستراتيجية حولت المملكة إلى “مركز رئيسي لتدفقات رأس المال العالمية”، حسب وصف لاري فينك، الرئيس التنفيذي لشركة بلاك روك.
وكمثال بارز، أعلنت “أرامكو” عن إتمام اتفاقية استثمارية بقيمة 11 مليار دولار في حقل “الجافورة” مع ائتلاف دولي، حيث فاق حجم الطلب على الصفقة خمسة أضعاف المطلوب. والأهم من ذلك، أكد وزير الاستثمار خالد الفالح أن 90% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة تتدفق الآن إلى قطاعات غير نفطية، وأن 40% من الميزانية السعودية باتت تموّل من عوائد غير نفطية.
أسواق المال والائتمان الخاص.. أدوات تمويل جديدة
هذا الزخم مهد الطريق لتنويع أدوات التمويل، حيث تشهد سوق المال السعودية اهتماماً متزايداً من المستثمرين الأجانب. وفي الوقت نفسه، يتسابق عمالقة الائتمان الخاص على الصفقات في المملكة، وهو قطاع كان شبه غائب قبل عام. فقد أعلن بنك “غولدمان ساكس” عن خطط لمضاعفة عدد موظفيه في الرياض ثلاث مرات، بينما افتتحت “ستيت ستريت” مقرها الإقليمي في العاصمة السعودية.
هذه القنوات التمويلية الجديدة ستستفيد منها المشاريع الكبرى بشكل مباشر. فعلى سبيل المثال، يستعد مشروع مطار الملك سلمان الدولي لمرحلة تمويل جديدة تعتمد على الأسهم والسندات، بينما تواصل شركة “البحر الأحمر الدولية” الحصول على دعم مالي من صندوق الاستثمارات العامة لاستكمال مراحلها المقبلة، مما يعكس تكامل المنظومة التمويلية لدعم المشاريع الاستراتيجية في اقتصاد السعودية.








