في خطوة تعكس حالة القلق المتزايدة في الأسواق العالمية، كسر سعر الذهب حاجز 4000 دولار للأوقية للمرة الأولى في تاريخه خلال التعاملات الآسيوية اليوم الإثنين، مدفوعًا بمزيج من العوامل التي تضع الاقتصاد الأمريكي تحت المجهر، وعلى رأسها تراجع الدولار وتزايد الرهانات على خفض وشيك لأسعار الفائدة.
مؤشرات تدعم الصعود التاريخي
سجل سعر الذهب الفوري ارتفاعًا لافتًا بنسبة 1.4% ليصل إلى 4,053.72 دولار للأوقية، فيما صعدت عقود الذهب الآجلة بنسبة 1.3% مسجلة 4,062.45 دولار. ويأتي هذا الصعود في سياق تراجع طفيف للدولار الأمريكي، وهو ما يجعل المعدن النفيس أقل تكلفة لحائزي العملات الأخرى، ويزيد من جاذبيته كأصل استثماري آمن في أوقات الضبابية الاقتصادية.
لكن المحرك الأعمق لهذه القفزة يكمن في توقعات الأسواق المتنامية بأن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قد يتجه لخفض الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر. هذه التوقعات لم تأتِ من فراغ، بل غذتها بيانات سوق العمل الضعيفة التي أظهرت تسجيل الولايات المتحدة أسوأ موجة تسريح عمال في نحو 20 عامًا خلال أكتوبر الماضي، مما يضع ضغوطًا هائلة على صانعي السياسة النقدية لتجنب انزلاق الاقتصاد نحو تباطؤ حاد.
قراءة في دلالات الأرقام
يرى محللون أن وصول الذهب لهذا المستوى القياسي ليس مجرد رقم، بل هو بمثابة “مقياس لحمى القلق العالمي”. وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي، أحمد معطي: “إن لجوء المستثمرين بكثافة إلى الملاذ الآمن يعكس تآكل الثقة في قدرة الاقتصاد الأمريكي على تحمل أسعار الفائدة المرتفعة لفترة طويلة، خاصة مع ظهور تشققات واضحة في سوق العمل”. وتشير بيانات مؤشر “فيد ووتش” إلى أن احتمالية خفض الفائدة في ديسمبر تبلغ الآن 61.9%، وهو ما يفسر اندفاع السوق نحو الأصول التي لا تدر عائدًا مثل الذهب.
الإغلاق الحكومي.. عامل ضغط إضافي
على الصعيد السياسي، تابعت الأسواق عن كثب تطورات مفاوضات إنهاء الإغلاق الحكومي الأطول في تاريخ الولايات المتحدة. ورغم أن تصويت مجلس الشيوخ لصالح المضي قدمًا في مشروع قانون تمويلي مؤقت قد بعث برسالة إيجابية، إلا أن الأزمة في حد ذاتها عززت حالة عدم اليقين وأضعفت صورة استقرار المؤسسات الأمريكية، مما صب في صالح الذهب.
ويُرجّح مراقبون أن إنهاء الإغلاق سيسمح بعودة نشر البيانات الاقتصادية الحكومية المتوقفة، مما سيوفر للسوق رؤية أكثر وضوحًا لعمق التباطؤ المحتمل، وهو ما قد يحدد مسار الذهب والأسواق في الأسابيع المقبلة. وامتدت موجة الصعود لتشمل المعادن النفيسة الأخرى، حيث ارتفع البلاتين بنسبة 1.4% والفضة بنسبة 1.8%، في إشارة إلى أن التحرك استثماري واسع النطاق ضد الدولار.
في المحصلة، لا يمكن قراءة الارتفاع التاريخي لأسعار الذهب بمعزل عن سياقه الاقتصادي والسياسي المعقد. إنه يعبر عن تحول في معنويات المستثمرين الذين باتوا يبحثون عن الأمان في ظل اقتصاد أمريكي يواجه تحديات متزامنة، من تباطؤ سوق العمل إلى الشلل السياسي، مما يجعل مستقبل السياسة النقدية والدولار على المحك.
