الذكاء الاصطناعي يلتهم طاقة العالم.. قمة “آبيك” تبحث عن حلول بين الغاز والطاقة النووية
من كوريا الجنوبية.. كيف تحول نقاش التجارة الحرة إلى سباق لتأمين كهرباء الذكاء الاصطناعي؟

في مدينة جيونغجو الكورية، تحولت نقاشات التجارة الحرة التقليدية لمنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (APEC) إلى مواجهة حتمية مع تحدٍ جديد: كيف يمكن للعالم تأمين الطاقة اللازمة لتشغيل ثورة الذكاء الاصطناعي المتسارعة؟ فبدلاً من التركيز على التعريفات الجمركية وسلاسل الإمداد، هيمن سؤال الطاقة على اجتماعات قادة 21 اقتصادًا يمثلون أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
تحول مفاجئ في الأجندة
على غير المتوقع، طغت الثورة التكنولوجية التي يقودها الذكاء الاصطناعي على محادثات التجارة، حيث وصف المنتدى هذا التحول بأنه يحمل “فرصًا وأزمات غير مسبوقة”. النقاش لم يعد يدور حول السلع والخدمات، بل حول البنية التحتية التي ستدعم الاقتصاد الرقمي الجديد، وفي القلب منها تأمين مصادر طاقة مستقرة وقادرة على تلبية طلب غير مسبوق.
هذا التحول في الأولويات يعكس إدراكًا متزايدًا بأن سباق التفوق في مجال الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد منافسة برمجية أو تقنية، بل أصبح سباقًا لتأمين الموارد الطاقوية. الدول التي ستتمكن من توفير كهرباء ضخمة ومستدامة لمراكز البيانات العملاقة هي التي ستقود المشهد الاقتصادي العالمي الجديد، وهو ما يفسر القلق الذي ساد أروقة القمة التي جمعت عمالقة مثل الولايات المتحدة والصين واليابان.
فاتورة كهرباء باهظة
الأرقام التي طُرحت خلال المنتدى كانت صادمة وكاشفة لحجم التحدي. فقد كشف تشي جاي وون، نائب رئيس مجموعة SK الكورية، أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ستستهلك وحدها كهرباء تعادل استهلاك جميع الأسر في الولايات المتحدة بحلول عام 2030. هذا الرقم يترجم إلى حوالي 4% من إجمالي استهلاك الكهرباء العالمي، أي ما يقارب 1000 تيراوات ساعة.
من جانبه، أكد رافائيل جروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن مراكز البيانات تستهلك بالفعل 1.5% من الكهرباء العالمية، مع نمو سنوي يتجاوز 10%. هذه الأرقام تضع الحكومات والشركات أمام حقيقة لا مفر منها: النموذج الحالي لإنتاج الطاقة قد لا يكون كافيًا لمواكبة هذا النمو الهائل.
حلول مطروحة على الطاولة
في مواجهة هذه الأزمة المحتملة، برز اتجاهان رئيسيان لتأمين الطاقة. الأول، الذي تتبناه شركات مثل SK GROUP، يرى في الغاز الطبيعي المسال “دورًا حاسمًا” كوقود انتقالي يمكنه توفير الاستقرار اللازم لشبكات الكهرباء العالمية في المدى القصير والمتوسط، خاصة مع سرعة إنشاء محطاته مقارنة بالبدائل الأخرى.
أما الاتجاه الثاني، والذي دافع عنه جروسي بقوة، فيضع الطاقة النووية كجزء أساسي من المعادلة. فمع تزايد الضغوط المناخية والحاجة لمصادر طاقة نظيفة وموثوقة تعمل على مدار الساعة، تُطرح المفاعلات النووية كحل استراتيجي طويل الأمد قادر على تلبية الطلب المتزايد دون انبعاثات كربونية.
كوريا الجنوبية.. طموح نحو عاصمة الذكاء الاصطناعي
في خضم هذا النقاش العالمي، كشفت كوريا الجنوبية عن طموحها لتصبح عاصمة الذكاء الاصطناعي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. هذا الطموح لم يكن مجرد تصريحات، بل تزامن مع إعلان شركة “إنفيديا” الأمريكية عن خطة لنشر ما يصل إلى 260 ألف وحدة معالجة رسومية (GPU) من طراز “بلاكويل” المتطور في سول.
المشروع الضخم سيتم بالشراكة مع عمالقة الصناعة الكورية مثل “سامسونج” و”إس كيه” و”هيونداي موتور” و”نايفر كلاود”، لإنشاء مراكز حوسبة فائقة. هذه الخطوة تؤكد أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي أصبح مرتبطًا بشكل عضوي بالقدرة على توفير بنية تحتية طاقوية قادرة على تشغيله، وهو ما يضع كوريا الجنوبية في قلب السباق العالمي الجديد.









