تكنولوجيا

لبنان يطلق خطة إنقاذ لقطاع الاتصالات.. هل تعود الريادة الرقمية المفقودة؟

خارطة طريق جديدة لإصلاح قطاع الاتصالات في لبنان.. من الفوضى إلى التنظيم والشراكة مع القطاع الخاص

محررة في قسم التكنولوجيا، تهتم بمتابعة أخبار الهواتف والتطبيقات الحديثة

في خطوة تعكس محاولة جادة لانتشال أحد أهم القطاعات الحيوية من دوامة الانهيار، أطلقت الحكومة اللبنانية خطة طموحة لإعادة هيكلة قطاع الاتصالات في لبنان، الذي تحول من رائد إقليمي في الثورة الرقمية إلى نموذج للتراجع والتأخر بسبب تراكم الأزمات السياسية والمالية.

تشخيص الأزمة.. من الريادة إلى التراجع

لم يعد سراً أن البنية التحتية للاتصالات في لبنان تعاني من تدهور حاد. فبحسب وزير الاتصالات شارل حاج، فإن أكثر من 50% من شبكة الهاتف المحمول قد تجاوزت عمرها الافتراضي التقني، بينما يعمل النصف المتبقي بالكاد، مما يضع البلاد أمام خطر حقيقي يهدد بانقطاع شامل للخدمات إذا لم يتم تدارك الموقف بشكل عاجل.

ويعود هذا التدهور إلى سنوات من التعامل مع قطاع الاتصالات في لبنان باعتباره مجرد مصدر لجباية الأموال لخزينة الدولة، بدلاً من كونه قطاعاً استراتيجياً يتطلب استثماراً مستمراً وتطويراً دائماً. هذه النظرة المالية قصيرة المدى أدت إلى استنزاف موارد القطاع وحرمانه من فرص التحديث، وهو ما تفاقم مع الأزمة المالية وجائحة كورونا والتوترات الأمنية الأخيرة.

خارطة طريق ثلاثية لإعادة البناء

لمواجهة هذا الواقع، طرح الوزير حاج خطة تمتد لثلاث سنوات، ترتكز على محاور أساسية تهدف إلى نقل القطاع من الإدارة السياسية المباشرة إلى الحوكمة المؤسسية المستقلة. المحور الأول يتمثل في تفعيل الهيئة الناظمة للاتصالات، التي ظلت معطلة لسنوات، لتصبح المرجعية الفنية والرقابية التي تضبط السوق وتحمي المستهلك وتضمن جودة الخدمة، بعيداً عن تدخل الوزير المباشر.

أما المحور الثاني، فيقوم على تطبيق القانون 431، الذي يقضي بإنشاء شركة “ليبان تيليكوم” عبر دمج هيئة “أوجيرو” مع وزارة الاتصالات. ومن المخطط أن يُفتح الباب لاحقاً أمام شريك استراتيجي للمساهمة بنسبة تصل إلى 40% من رأس المال، بهدف تحويل الشركة إلى كيان تجاري قادر على المنافسة وجعل لبنان مركزاً رقمياً إقليمياً.

ويتمثل المحور الثالث في الجانب التقني، حيث تم إطلاق دفتر شروط لتوسيع شبكة الألياف الضوئية لتصل إلى أكثر من 300 ألف منزل خلال عام ونصف، مع السماح للقطاع الخاص بالمشاركة في الاستثمار والتمديد، مما يخلق بيئة تنافسية من شأنها تحسين جودة الخدمة وخفض الأسعار للمواطن.

ملفات شائكة.. “ستارلينك” والإنترنت غير الشرعي

فيما يخص دخول شركة “ستارلينك” إلى السوق، حسمت الخطة الجدل بتخصيص خدماتها للشركات فقط، مع فرض رسوم واضحة تضمن عائداً مالياً للدولة بنسبة 25% من قيمة الفاتورة. هذا التنظيم يهدف إلى دعم الشركات الدولية العاملة في لبنان، والتي تحتاج إلى اتصال مستقر وموثوق، دون أن تنافس الدولة في سوق الأفراد.

أما ظاهرة الإنترنت غير الشرعي، التي تخدم أكثر من مليون مشترك، فتتعامل معها الخطة بواقعية، حيث تركز على التنظيم بدلاً من القطع الفوري للخدمة. سيتم منع التمديدات غير القانونية بين المناطق وتطبيق آليات تنظيمية للتوزيع المحلي، مع توفير بدائل قانونية أفضل للمواطنين لضمان انتقال سلس ومنظم للسوق الشرعية.

تحليل.. ما وراء الخطة الفنية

تتجاوز هذه الخطة كونها مجرد مشروع فني لتحديث الشبكات؛ إنها تمثل تحولاً في فلسفة إدارة الدولة لأحد أهم أصولها. الانتقال من وزارة تدير وتشغّل إلى وزارة تضع السياسات وتراقب، ومنح الصلاحيات لهيئة ناظمة مستقلة وشركة تجارية، هو محاولة واضحة لفصل القطاع عن التقلبات السياسية التي شلّته لعقود. إن إدخال شريك استراتيجي لا يهدف فقط لجلب التمويل، بل أيضاً لنقل الخبرة الإدارية والتجارية الحديثة التي تفتقر إليها المؤسسات العامة.

يبقى التحدي الأكبر أمام نجاح هذه الرؤية هو مدى توفر الإرادة السياسية للتخلي عن السيطرة على هذا القطاع المربح، وضمان استقلالية الهيئات الجديدة بالفعل وليس بالاسم فقط. كما أن ربط مستقبل قطاع الاتصالات في لبنان بالاستقرار السياسي والأمني يعكس فهماً عميقاً لواقع البلاد، حيث لا يمكن لأي استثمار أن ينمو ويزدهر في بيئة مضطربة، وهو ما يجعل نجاح الخطة مرهوناً بمسار أوسع من التوافقات السياسية الداخلية والهدوء الإقليمي.

الأمن السيبراني والنمو الاقتصادي

تولي الخطة أهمية خاصة لملف الأمن السيبراني، إدراكاً منها لحجم المخاطر التي تواجه لبنان المكشوف رقمياً. وتعمل الوزارة على إعداد استراتيجية وطنية لحماية البيانات، وهو أمر بات ضرورياً في عصر حروب المعلومات. على الصعيد الاقتصادي، يُنظر إلى توسيع شبكة الإنترنت فائق السرعة كمحرك مباشر للنمو، حيث تشير التقديرات إلى أن كل زيادة بنسبة 10% في انتشاره ترفع الناتج المحلي بنحو 1.3%، مما قد يضيف دفعة للاقتصاد المنهك.

في المحصلة، تبدو الخطة الجديدة بمثابة محاولة أخيرة لوضع قطاع الاتصالات في لبنان على مسار التعافي. ورغم أن الطريق لا يزال طويلاً ومليئاً بالتحديات، إلا أن التحول نحو التنظيم والشراكة والحوكمة يمثل بارقة أمل في أن يستعيد لبنان مكانته كبلد متصل بالعالم، يشعر فيه المواطن بأن خدمات الاتصالات حق أساسي وليست ترفاً مفقوداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *