اقتصاد

الحرب التجارية تفتح شهية الصين للاستثمار الزراعي في أفريقيا

في تحول استراتيجي لافت، بدأت الصين تفتح أسواقها أمام المنتجات الزراعية الأفريقية، مستغلة فراغًا خلفته الحرب التجارية مع الولايات المتحدة. هذه الخطوة لا تمثل مجرد قرارات بيروقراطية، بل ترسم ملامح خريطة جديدة للاستثمار العالمي في القارة السمراء، حيث أصبح الأمن الغذائي محركًا رئيسيًا للسياسات الدولية.

فرص أفريقية في قلب الصراع العالمي

لم تكن موافقة بكين على استيراد التوت الأزرق من زيمبابوي، أو الفول السوداني والكاجو من غامبيا، مجرد إجراءات روتينية. فبعدها مباشرة، حصل دقيق فول الصويا الإثيوبي، وهو مكون أساسي في أعلاف الدواجن، على الضوء الأخضر لدخول السوق الصينية. هذه القرارات حملت رسالة واضحة لدول أفريقيا والمستثمرين الدوليين: الصراع التجاري بين واشنطن وبكين يفتح أبوابًا اقتصادية واسعة للقارة، خاصة في قطاع الواردات الزراعية.

لطالما نُظر إلى الزراعة الأفريقية من زاوية الكفاف وقضايا الأراضي، لكنها اليوم تتحول بسرعة إلى ساحة تنافس للاستثمار العالمي. بالنسبة للصين، التي تعطلت تجارتها مع الولايات المتحدة، تقدم أفريقيا فرصة ذهبية لتنويع مصادرها الغذائية بعيدًا عن الواردات المحفوفة بالمخاطر السياسية. وقد أكد الرئيس شي جين بينغ هذا التوجه بإعلانه إلغاء الرسوم الجمركية على واردات الدول الأفريقية الحليفة.

يرى كريستوفر بيدور، من شركة “غافيكال دراغونوميكس” للأبحاث، أن استراتيجية بكين تهدف إلى خلق مسافة بين اقتصادها وبين الضغوط الأمريكية. هذا يعني استعدادها لعقد صفقات زراعية في كل أنحاء العالم النامي، وفي مقدمتها أفريقيا، التي تستثمر فيها الصين بكثافة بالفعل لتعزيز نفوذها وتقليل اعتمادها على أسواق أمريكا الجنوبية المتقلبة.

استثمارات خليجية بأهداف استراتيجية

على صعيد آخر، دخلت دول الخليج مثل قطر والإمارات على خط الاستثمار الزراعي في أفريقيا بقوة، حيث ضخت استثمارات ضخمة في الزراعة والبنية التحتية المرتبطة بها. تمثل هذه الصفقات تحوطًا استراتيجيًا ضد تقلبات المناخ وندرة الموارد المائية التي تهدد إنتاج الغذاء في منطقة الشرق الأوسط، مما يجعل أفريقيا شريكًا حيويًا لتحقيق الأمن الغذائي الخليجي.

تمتلك أفريقيا، بسكانها البالغ عددهم 1.6 مليار نسمة، نحو 60% من الأراضي الصالحة للزراعة غير المستغلة في العالم، مما يجعلها وجهة طبيعية لهذه الاستثمارات. لكن التجارب السابقة لم تكن دائمًا في صالح القارة. فخلال العقدين الماضيين، ورغم ترحيب دول مثل إثيوبيا وموزمبيق بالمستثمرين الصينيين، فشلت العديد من المشاريع بسبب ضعف البنية التحتية والاضطرابات السياسية.

نموذج جديد للشراكة؟

يؤكد المسؤولون أن الصفقات الجديدة تختلف جذريًا عن سابقاتها. فبدلًا من التركيز على استخراج المواد الخام بأسعار زهيدة، يمزج النموذج الحالي بين المصالح التجارية ومشاريع التنمية في أفريقيا، مثل بناء الطرق ومحطات الكهرباء، وخلق وظائف دائمة، ونقل المعرفة التقنية. كما تشترط العديد من الاتفاقيات الحديثة بقاء جزء من الإنتاج لتلبية احتياجات السوق المحلية.

على سبيل المثال، تخطط قطر لاستثمار 1.5 مليار دولار في قطاع الزراعة في غانا لتمويل الري وزيادة الإنتاج، مما سيوفر أكثر من 2500 فرصة عمل. كما تتعاون “الجداد القابضة” القطرية مع وزارة الزراعة الغانية لبناء مصنع أسمدة بقيمة 5 مليارات دولار، بهدف تقليل اعتماد غانا على الواردات وتعزيز أمنها الغذائي.

وفي أنغولا، التي تخوض التجربة الأكثر طموحًا، وُقعت صفقات بقيمة 350 مليون دولار مع شركات صينية لتطوير 100 ألف هكتار لزراعة فول الصويا والذرة. وبموجب هذه الاتفاقيات، ستظل الأراضي ملكًا للدولة، وسيتم تخصيص 40% من الإنتاج للسوق المحلي، مع دمج المزارعين المحليين في المشاريع بدلًا من تهجيرهم.

تحديات باقية وطموحات كبيرة

تسعى أنغولا لاستغلال هذه الفرصة لتنويع اقتصادها المعتمد على النفط، وتطمح لجذب استثمارات زراعية بقيمة ملياري دولار سنويًا. لكن التحدي الأكبر يظل في البنية التحتية. يعترف وزير الزراعة إسحاق دوس أنجوس بأن معظم المستثمرين يطلبون أراضٍ قريبة من الموانئ والسكك الحديدية، وهو شرط يصعب تلبيته حاليًا، مما دفع الحكومة لتسريع تطوير “ممر لوبيتو” لربط المناطق الزراعية بطرق الشحن العالمية.

رغم التفاؤل، لا تزال هناك شكوك. تحذر ديبورا بروتيغام، مديرة مبادرة أبحاث الصين وأفريقيا في جامعة جونز هوبكنز، من أن الصفقات المعلنة غالبًا ما تكون أضخم من الاستثمارات الفعلية التي تتحقق على الأرض. ومع ذلك، يستمر النشاط التجاري في النمو، وكانت أول شحنة من فول الصويا الإثيوبي قد انطلقت بالفعل إلى الصين، في وقت توقفت فيه بكين تمامًا عن شراء نظيره الأمريكي منذ عام 2023، في مؤشر واضح على تحول موازين القوى في سوق الغذاء العالمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *