البرلمان يقر قانون الإجراءات الجنائية بتعديلات مفصلية

شهدت الجلسة العامة لمجلس النواب اليوم موافقة نهائية على مشروع قانون الإجراءات الجنائية، وذلك بعد استجابة المجلس لملاحظات رئيس الجمهورية على ثماني مواد حيوية. يأتي هذا الإقرار ليضع إطارًا جديدًا للعدالة الجنائية في مصر، مع تعديلات جوهرية تتعلق بآليات التطبيق وإجراءات التحقيق ضمن قانون الإجراءات الجنائية الجديد.
جاءت الموافقة النهائية برئاسة المستشار الدكتور حنفي جبالي، لتؤكد على أهمية هذا التشريع الذي يمس حياة المواطنين بشكل مباشر. وقد تضمنت التعديلات التي أقرها المجلس اليوم تغييرًا محوريًا في المادة السادسة المتعلقة بـ “إصدار القانون”، وهو ما كان محل نقاش واسع وضروري لضمان فعالية التطبيق.
تأجيل التطبيق: رؤية استراتيجية
وافق المجلس على إرجاء تطبيق قانون الإجراءات الجنائية ليكون اعتبارًا من الأول من أكتوبر من العام القضائي المقبل 2026، بدلًا من العمل به فور نشره. هذا التعديل جاء استجابة لملاحظات رئيس الجمهورية، التي رأت ضرورة توفير فترة زمنية كافية لضمان التنفيذ السلس والفعال لأحكام القانون الجديد.
الرؤية الرئاسية لهذا التأجيل لم تكن اعتباطية، بل استندت إلى اعتبارات عملية ولوجستية دقيقة. فالمشروع يستحدث في مادته 232 إنشاء مراكز لـ “الإعلانات الهاتفية” تتبع وزارة العدل، ومن المقرر أن تتواجد بمقر كل محكمة جزئية، والتي يتجاوز عددها 280 محكمة على مستوى الجمهورية.
إن إنشاء هذه المراكز يتطلب إجراءات معقدة وتجهيزات فنية ولوجستية ضخمة، بالإضافة إلى تأهيل الكوادر البشرية القائمة على تشغيلها، وربطها بعدة جهات حكومية. كما يستلزم طباعة النماذج اللازمة لعملها، وهي متطلبات تستغرق وقتًا وجهدًا كبيرين لضمان جاهزية البنية التحتية والكوادر البشرية.
علاوة على ذلك، يتضمن مشروع قانون الإجراءات الجنائية تنظيمًا متكاملًا للإجراءات، ويستحدث ويعدل العديد من الأحكام التي تتطلب إحاطة دقيقة من جانب جميع الأطراف المعنية. يشمل ذلك القضاة وأعضاء النيابة العامة ومأموري الضبط القضائي والمحامين، الذين يحتاجون إلى فترة زمنية كافية لاستيعاب هذه التغييرات وتطبيقها بكفاءة.
المادة 105: جدل حقوقي وبرلماني
كما وافق المجلس على نص المادة 105 من مشروع قانون الإجراءات الجنائية بعد نقاش استمر لأكثر من أربعين دقيقة، وهو ما يعكس حساسية وأهمية هذه المادة. وقد شهدت الجلسة موافقة على مقترح الصياغة المقدم من النائب عادل ناصر عن حزب مستقبل وطن، بينما انسحب أعضاء الحزب المصري الديمقراطي اعتراضًا على الصياغة.
التعديل الذي أدخل على المادة 105 يتعلق بإجراءات التحقيق مع المتهم ووجوب حضور محاميه. فالمادة تتضمن إمكانية استجواب المتهم في غياب محاميه في حالات محددة، وهي تلك التي يخشى فيها مرور الوقت أن يؤثر على كشف الحقيقة، وهو ما يمثل نقطة خلاف جوهرية بين الأطراف.
في هذه الحالات، يجوز للنيابة العامة أن تندب محاميًا أو تطلب من النقابة الفرعية ندب محامٍ لحضور التحقيق بسرعة. وإذا لم يحضر المحامي في الموعد المحدد، يجوز لعضو النيابة استجواب المتهم لحين حضوره، مع التأكيد على حق المحامي في الاطلاع على ما تم من إجراءات فور وصوله، لضمان حقوق الدفاع.
على الجانب الآخر، شهدت الجلسة اعتراضًا قويًا من نقيب المحامين، الأستاذ عبد الحليم علام، على الصياغة الواردة من اللجنة، والتي تسمح بالتحقيق مع المتهم في غياب محاميه. تمسك نقيب المحامين بموقفه الرافض لأي استثناء يسمح بذلك، مؤكدًا أن أي استثناء من هذا القبيل يتعارض مع ما نص عليه الدستور المصري في هذا الشأن، والذي يكفل حق المتهم في الدفاع.









