الأوقاف تحدد خطبة الجمعة: ‘وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا’.. تحذير من ضلال السعي والغرور الديني
الخطبة تدعو إلى مراجعة البصيرة قبل العمل، وتكشف عن مخاطر الانحراف باسم الدين، وتقدم معالم للنجاة من الغرور.

أعلنت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة القادمة، الموافق 26 ديسمبر 2025 و6 رجب 1447 هـ، تحت عنوان «وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا».
نص موضوع خطبة الجمعة 26 ديسمبر 2025
الحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ عليه، وعلى آله وصحبِه، ومن سارَ على نهجِه واقتفى أثرَه إلى يومِ الدين. أما بعد،
وتناولت الخطبة في مستهلها خطورة اختلال ميزان القلوب، الذي يدفع المرء للاطمئنان إلى الباطل والظن بالإحسان وهو في أمس الحاجة للمراجعة والبصيرة. وأشارت إلى أن التحذير القرآني العميق في الآية الكريمة «وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا» لا يوجه للكسالى أو المعرضين، بل لمن عملوا وبذلوا وسعوا، لكن سعيهم ضل. هذه الآية، بحسب الخطبة، تكشف محنة البصيرة قبل أن تفضح خلل السلوك، وتدعو المؤمن إلى وقفة صدق مع النفس، ليسأل عن ميزانه قبل عمله، وعن طريقه قبل كثرة خطاه.
وأكدت الخطبة أن تحذيرات القرآن الكريم لا تقتصر على المعاصي الظاهرة أو الذنوب التي تنكرها الفطر السليمة، بل تمتد لتكشف عن أخطار أدق وفتن أخفى، لا ينجو منها إلا من رزقه الله بصيرة نافذة وميزانًا مستقيمًا. هذه الفتنة تتمثل في العمل الذي يؤدى بصورة الخير وبدافع النية ويرفع باسم الطاعة، ثم يكون مع ذلك سببًا في الضلال والخسران.
وفي هذا السياق، استشهدت الخطبة بالتحذير القرآني البالغ في سورة الكهف: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف: 103، 104). وأوضحت أن ضلال سعيهم يعود لعملهم لغير الله، وأن ما كان لغير الله لا ينفع. ونقلت عن القشيري في لطائف الإشارات أن هؤلاء هم من قرنوا أعمالهم بالرياء، ووصفوا أحوالهم بالإعجاب، وأبطلوا إحسانهم بالملاحظات أو المنّ.
ونقلت الخطبة عن محمد سيد طنطاوي رحمه الله قوله إن الذي يعمل السوء ويعلم أنه سوء قد تُرجى استقامته، أما الذي يعمل السوء ويظنه عملًا حسنًا فهذا هو الضلال المبين، مستشهدة بتفسيره الوسيط.
وأشارت إلى أن هذا المعنى أكده القرآن في موضع آخر حين قال: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ (فاطر: 8). ونقلت عن ابن كثير رحمه الله قوله إنهم يعملون أعمالًا سيئة وهم يعتقدون أنهم يحسنون صنعًا، أي أن من كان كذلك قد أضله الله، ولا حيلة لأحد فيه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
ولهذا، حذر النبي صلى الله عليه وسلم من العمل الذي يخلو من الميزان، فقال في الحديث الصحيح: «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ»، رواه النسائي في السنن الكبرى [3249]، وابن ماجه [1690]، واللفظ لهما، وأحمد [9683]، وهو حديث حسن صحيح. وأكدت الخطبة أن العبرة ليست بكثرة التعب ولا بطول الوقوف، ولكن بصحة الطريق وقبول العمل، وهو ما تشير إليه الآية: عمل موجود، ومشقة حاضرة، وأجر مفقود.
ثم دعت الخطبة إلى التأمل في دقة التعبير القرآني حين قال: ضَلَّ سَعْيُهُمْ، ولم يقل: ضلّوا، لأن الضلال هنا تعلق بالسعي لا بالذات، وبالعمل لا بالنية. وهو ما أشار إليه الإمام أبو جعفر الطبري رحمه الله حين قال: “هم الذين لم يكن عملهم في حياتهم الدنيا على هدى واستقامة، بل كان على جور وضلالة، … وهم يظنون أنهم بفعلهم ذلك لله مطيعون”.
وأكدت الخطبة أن هذا المعنى يؤكده ما قرره أهل العلم من أن العمل لا يكون مقبولًا حتى يجتمع فيه شرطان: الإخلاص والمتابعة. فمن فقد أحدهما رُدَّ عليه عمله وإن كثر، كما نقل ابن رجب في جامع العلوم والحكم عن الفضيل بن عياض رحمه الله قوله: “إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا”.
ولهذا جاء التحذير النبوي الصريح من الاغترار بالعمل، فروى الإمام مسلم في صحيحه (1905) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ أوَّلَ الناسِ يُقْضَى يومَ القيامةِ عليه رجلٌ اسْتُشْهِدَ، فأُتِيَ بهِ، فعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فعَرَفَها، قال: فما عمِلْتَ فيها؟ قال: قاتَلْتُ فِيكَ حتى اسْتُشْهِدْتُ، قال: كذبْتَ، ولكنَّكَ قاتَلْتَ لِيُقالَ جِريءٌ، فقدْ قِيلَ، ثمَّ أُمِرَ بهِ فسُحِبَ على وجْهِهِ حتَّى أُلْقِيَ في النارِ، ورجلٌ تعلَّمَ العِلْمَ وعلَّمَهُ، وقَرَأَ القُرآنَ، فأُتِيَ بهِ فعَرَّفَهُ نِعمَهُ، فعَرَفَها، قال: فما عمِلْتَ فيها؟ قال: تعلَّمْتُ العِلْمَ وعلَّمْتُهُ، وقَرَأْتُ فِيكَ القُرآنَ، قال: كذبْتَ، ولكنَّكَ تعلَّمْتَ العِلْمَ لِيُقالَ عالِمٌ، وقرأْتَ القُرآنَ لِيُقالَ: هو قارِئٌ فقدْ قِيلَ، ثمَّ أُمِرَ بهِ فسُحِبَ على وجْهِهِ حتى أُلْقِيَ في النارِ، ورجُلٌ وسَّعَ اللهُ عليْهِ، وأعْطاهُ من أصنافِ المالِ كُلِّهِ، فأُتِيَ بهِ فعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فعَرَفَها، قال: فمَا عمِلْتَ فيها؟ قال: ما تركْتُ من سبيلٍ تُحِبُّ أنْ يُنفَقَ فيها إلَّا أنفقْتُ فيها لكَ، قال: كذبْتَ، ولكنَّكَ فعلْتَ لِيُقالَ: هوَ جَوَادٌ، فقدْ قِيلَ، ثمَّ أُمِرَ بهِ فسُحِبَ على وجْهِهِ، ثمَّ أُلْقِيَ في النارِ». وأشارت الخطبة إلى أن العاقبة كانت خسرانًا رغم عظم الصورة الظاهرة، لأن الميزان اختل من الأصل. وهذه القصة النبوية من أوضح ما يفسّر قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾، إذ ظن صاحب العمل أنه بلغ الغاية، فإذا به يُحرم الأجر من الأساس.
ومن آثار الصحابة في هذا الباب ما رواه البخاري [6308] عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «إنَّ المؤمنَ يرى ذنوبَهُ كأنه في أصلِ جبلٍ يخافُ أن يقعَ عليه، وإنَّ الفاجرَ يرى ذنوبَهُ كذبابٍ وقعَ على أنفِه فقال به هكذا فطار». ودلّ ذلك على أن سلامة القلب ليست في كثرة العمل، بل في حياة الضمير وخوف المآل.
ولهذا كان السلف الصالح رحمهم الله أبعد الناس عن دعوى الإحسان المطلق، وأشدهم خوفًا من رد العمل. ونقلت الخطبة عن الحسن البصري رحمه الله قوله: “المُؤْمِنُ جَمَعَ إِحْسَانًا وَشَفَقَةً، وَالْمُنَافِقُ جَمَعَ إِسَاءَةً وَغِرَّةً. وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ فِيمَا مَضَى وَلَا فِيمَا بَقِيَ عَبْدًا ازْدَادَ إِحْسَانًا إِلَّا ازْدَادَ مَخَافَةً وَشَفَقَةً مِنْهُ، وَلَا وَجَدْتُ فِيمَا مَضَى وَلَا فِيمَا بَقِيَ عَبْدًا ازْدَادَ إِسَاءَةً إِلَّا ازْدَادَ غِرَّةً. أَيْ ازْدَادَ غَفْلَةً”، رواه الطبراني [ج1، ص181]، وابن أبي الدنيا في الزهد [ص985] ومحاسبة النفس [ص40].
وبهذا الميزان، أكدت الخطبة أن أخطر ما يصيب الساعي إلى الله أن يضل سعيه لا قصده، وأن يُرد عمله لا نيته، وأن يعيش في طمأنينة الإحسان الموهوم، وهو أحوج ما يكون إلى مراجعة ومحاسبة. ولذلك لم تكن هذه الآيات آيات وعظ عابر، بل آيات تأسيس لمنهج كامل في وزن الأعمال وتصحيح المسارات وحراسة القلوب من الغرور، حتى يلقى العبد ربه بقلب سليم، وعمل موزون، وسعي لم يضل.
ثم انتقلت الخطبة لتوضح أنه إذا كان ضلال السعي محنة في ميزان العمل، فإن أخطر صوره حين يلبس الضلال لباس التدين، فيتحرك صاحبه باسم الغيرة، ويتكلم باسم الحق، ويستند إلى نصوص صحيحة، لكنه ينزلها في غير موضعها، ويجعلها سلاحًا لا ميزانًا، وحكمًا لا هداية. وهنا لا يكون الخلل في أصل الدين، بل في فهم الدين، ولا في النص، بل في تنزيل النص، ولا في النية بالضرورة، بل في الطريق الذي سارت فيه النية.
وقد حذر القرآن من هذا اللون من الانحراف تحذيرًا بالغًا حين قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 170). وبينت الخطبة أن الخطر ليس في مجرد الاتباع، بل في اتباع بلا بصيرة، وأن التعلق بما ألفته النفوس أو استراحت له العقول قد يحجب صاحبه عن نور الوحي، ولو ظن أنه يحسن صنعًا. ونقلت عن الرازي رحمه الله قوله: “أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنَ الدَّلَائِلِ الْبَاهِرَةِ فَهُمْ قَالُوا لَا نَتَّبِعُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا نَتَّبِعُ آبَاءَنَا وَأَسْلَافَنَا، فَكَأَنَّهُمْ عَارَضُوا الدَّلَالَةَ بِالتَّقْلِيدِ، وَأَجَابَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ”.
وقرَّرَ القرآن أصلًا عظيمًا في هذا الباب حين قال: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (الفرقان: 23). ومن أخطر ما يبين هذا المعنى تاريخ أول انحراف ديني وقع في الأمة، وهو انحراف الخوارج، الذين خرجوا بعبادة عظيمة في ظاهرها، حتى قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاتَكُمْ مع صَلاتِهِمْ، وصِيامَكُمْ مع صِيامِهِمْ، وعَمَلَكُمْ مع عَمَلِهِمْ، ويَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لا يُجاوِزُ حَناجِرَهُمْ» البخاري [5058]. وقال أيضا النبي صلى الله عليه وسلم: «يَقْتُلُونَ، أَهْلَ الإسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأوْثَانِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإسْلَامِ كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»، رواه البخاري [4351]، ومسلم [1064]. وأوضحت الخطبة أن هذا يمثل عبادة بلا فقه، وغيرة بلا علم، ونصوص تؤخذ بغير فهم ولا جمع ولا ميزان.
ولهذا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كلمة جامعة في هذا الباب: «كم من مريدٍ للخيرِ لن يُصيبَه»، رواه الدارمي [210]. وقد قال سفيان الثوري رحمه الله: “البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، لأن المعصية يُتاب منها، والبدعة لا يُتاب منها”، شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي [ج1، ص134]. وأوضحت الخطبة أن البدعة لا يتاب منها لأنه يعتقد أنه على صواب فلا يتوب.
ومن هنا جاء البيان النبوي العجيب الذي يكشف هذا الخلل في أبلغ صورة، حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّما أخافُ علَى أمَّتي الأئمَّةَ المضلِّينَ»، رواه أحمد [23498]، وأبو داود [4252]، والترمذي [2229]، حديث صحيح. وأشارت الخطبة إلى أنه لم يقل: العصاة، ولا الفاسقين، بل قال: الأئمة المضلين، لأن الخطر إذا جاء في ثوب القدوة، وكان الانحراف مصحوبًا بسلطان التأثير، كان أثره أعمق وأبعد.
ولقد رأت الخطبة نموذجًا مبكرًا لهذا المعنى في قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم سأل عن التوبة، فدل على راهب جاهل، فسأله: هل لي من توبة؟ فقال: لا، حيث جاء في البخاري ومسلم: «إنَّ عبدًا قتلَ تسعةً وتِسعينَ نفسًا ثمَّ عرضَت لَهُ التَّوبةُ، فسألَ عَن أعلمِ أَهْلِ الأرضِ، فدُلَّ على رجلٍ فأتاهُ فقالَ: إنِّي قتَلتُ تسعةً وتسعينَ نفسًا، فَهَل لي من توبةٍ؟ قالَ: بعدَ تِسعةٍ وتسعينَ نفسًا قالَ: فانتَضَى سيفَهُ فقتلَهُ، فأَكْملَ بِهِ المائةَ، ثمَّ عرضَت لَهُ التَّوبةُ، فسألَ عن أعلَمِ أَهْلِ الأرضِ، فدُلَّ على رجلٍ فأتاهُ فقالَ: إنِّي قتَلتُ مائةَ نفسٍ، فَهَل لي من تَوبةٍ؟ فقالَ: ويحَكَ، ومَن يحولُ بينَكَ وبينَ التَّوبةِ؟….»، البخاري [3470]، مسلم [2766]. ودعت الخطبة إلى النظر في كيف كان الفرق بين تدين بلا علم أغلق باب الرحمة، وعلم بصير فتح باب الأمل، وكيف كان الجهل بالدين سببًا في الدماء، لا لأن القاتل كان يريد الشر، بل لأن من أفتاه لم يعرف ميزان الشرع.
ومن أخطر ما في هذا الباب أن صاحب الوهم الديني قد يبالغ في التشديد باسم الاحتياط، ويقسو باسم الغيرة، ويقصي الناس باسم حماية الدين، مع أن الله وصف نبيه بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (آل عمران: 159)، وقال أيضًا: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: 78). ونقلت الخطبة عن الشاطبي رحمه الله قوله: “فَإِنَّ الْخُرُوجَ إِلَى الْأَطْرَافِ خَارِجٌ عَنِ الْعَدْلِ، وَلَا تَقُومُ بِهِ مَصْلَحَةُ الْخَلْقِ، إمَّا فِي طَرَفِ التَّشْدِيدِ، فَإِنَّهُ مَهْلَكَةٌ، وَأَمَّا فِي طَرَفِ الِانْحِلَالِ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا، لأن المستفتي إذا ذُهِبَ بِهِ مَذْهَبَ الْعَنَتِ وَالْحَرَجِ بُغِّضَ إِلَيْهِ الدِّينَ، وَأَدَّى إِلَى الِانْقِطَاعِ عَنْ سُلُوكِ طَرِيقِ الْآخِرَةِ”.
ومن الكلمات البليغة في هذا المعنى ما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال عن الخوارج: “انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها في المؤمنين”، [فتح الباري 12/286]. ودعت الخطبة إلى التأمل: نص صحيح، وقرآن يتلى، لكن التنزيل في غير موضعه حوله من هداية إلى فتنة، ومن نور إلى سيف.
وأكدت الخطبة أن أخطر ما يصيب الدين في النفوس أن يتحول من ميزان يصلح إلى سوط يقصي، ومن نور يهدي إلى حدة تعمي، وأن يرفع شعار الإصلاح بينما تهدم القلوب، ويظن الإحسان بينما يصنع الفساد. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ (البقرة: 220).
وبهذا الفهم، ختمت الخطبة الجزء الأول، مبينة أن النجاة ليست في شدة القول، ولا في قسوة الحكم، ولا في كثرة الاتهام، بل في علم يبصر، وقلب يرحم، وميزان يقيم الحق دون إفراط ولا تفريط. فمن فقد هذا الميزان، وإن صدقت نيته، كان أقرب إلى الوهم منه إلى الإحسان.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، له الحمدُ حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيهِ كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صلّى اللهُ وسلّمَ وباركَ عليهِ، وعلى آلهِ وصحبِه، ومَن سارَ على نهجِهِ واقتفى أثرَهُ إلى يومِ الدينِ. أمّا بعدُ،
وفي الجزء الثاني من الخطبة، أشارت إلى أنه إذا كان الخلل في السعي، وكان الوهم في الإحسان، وكان الانحراف في الفهم، فإن أخطر ما نخشاه اليوم أن يتحول هذا الوهم إلى سلوك، وأن يتحول الخطأ الفردي إلى فكر مُعدٍ، يفسد ولا يشعر أنه يفسد.
وأكدت الخطبة أن القرآن والسنة لم يتركا القلوب حائرة أمام هذا الخطر الخفي، بل وضعت الشريعة معالم واضحة للنجاة، وطرائق بينة لتصحيح السعي، وحراسة العمل من أن ينقلب على صاحبه وهو لا يشعر.
وأول هذه المعالم: العِلْمُ قَبْلَ العَمَلِ، فإن العمل بلا علم ضلال، والحماسة بلا فقه فتنة. وقد قرر الله هذا الأصل حين قال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: 19)، فقدّم العلم قبل القول والعمل. ونقلت الخطبة عن الرازي رحمه الله قوله: “وَالْعِلْمُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَمَلِ”.
وقال المناوي رحمه الله في فيض القدير: “فَالْعِلْمُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَمَلِ شَرَفًا وَحَالًا، إِذِ الشَّيْءُ يُعْلَمُ أَوَّلًا ثُمَّ يُعْمَلُ بِهِ، وَمِلَاكُ الدِّينِ الْوَرَعُ، وَالْعَالِمُ مَنْ يَعْمَلُ، وَمَنْ لَا يَعْمَلْ فَهُوَ وَالْجَاهِلِ سَوَاءٌ، بَلِ الْجَاهِلُ خَيْرٌ مِنْهُ، لِأَنَّ عِلْمَهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْعِلْمَ بِلَا عَمَلٍ عَاطِلٌ، وَالْعَمَلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ بَاطِلٌ، إِذْ لَا يَصِحُّ الْعَمَلُ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ كَيْفِيَّتِهِ، وَلَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْعِلْمِ إِلَّا بِالْعَمَلِ بِهِ عَلَى مُقْتَضَى السُّنَّةِ. قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: بِالْعِلْمِ يَصِحُّ الْعَمَلُ، وَبِالْعَمَلِ تُنَالُ الْحِكْمَةُ، وَبِالْحِكْمَةِ يُوَفَّقُ لِلزُّهْدِ، وَبِالزُّهْدِ تُتْرَكُ الدُّنْيَا، وَبِتَرْكِ الدُّنْيَا تُرْغَبُ فِي الْآخِرَةِ، وَبِالرَّغْبَةِ فِيهَا يُنَالُ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى”.
ومن أجل ذلك قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: «تَعَلَّمُوا العِلْمَ، فَإِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا». حِلْيَةُ الأَوْلِيَاءِ [ج1، ص131].
وثاني المعالم: لزوم أهل العلم والرجوع إليهم، لا احتقارهم ولا اتهامهم، فإن كل انحراف فكري بدأ بسقوط هيبة العلم من القلوب. وقد قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43). ونقلت الخطبة عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: “أَهْلُ الذِّكْرِ أَهْلُ الْقُرْآنِ وقيل: أهل العلم”.
وثالث المعالم: عرض العمل على السنة لا على الشعور، فإن كثيرًا من الناس يزن عمله بما يرتاح إليه قلبه، لا بما جاء عن نبيه. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، البخاري [2697] ومسلم [1718]. ونقلت الخطبة عن النووي رحمه الله قوله: “وَهَذَا الْحَدِيثُ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ”.
ورابع المعالم: الخوف من سوء الخاتمة وعدم الاغترار بالعمل، فإن المؤمن الصادق لا يأمن مكر الله، ولا يطمئن إلى نفسه، ولا يزكي عمله. وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ (المؤمنون: 60). ونقلت الخطبة عن عائشة رضي الله عنها قولها للنبي صلى الله عليه وسلم: “أهم الذين يَشرَبونَ الخَمرَ ويَسرِقونَ؟ قال: لا يا بِنتَ الصِّديقِ، ولكِنَّهم الذين يصومون ويُصَلُّونَ ويتصَدَّقون وهم يخافون ألَّا تُقبَلَ منهم، أولئك الذين يسارِعونَ في الخيراتِ وهم لها سابِقونَ”، رواه الترمذي [3175]، وابن ماجه [4198]. حديث صحيح. ومن هنا، أشارت الخطبة إلى موقف السري السقطي رحمه الله، حين ظل يستغفر الله ثلاثين سنة من كلمة حمد خاف أن تكون قد خالطها حظوظ النفس، متسائلة عن حال من يكفر ويقصي ويفسد ويزعم أنه يصلح.
وخامس المعالم: محاسبة النفس قبل محاسبة الناس، فإن أخطر الناس من يصلح العالم وينسى قلبه، ويراقب الخلق وينسى نفسه. ونقلت الخطبة عن الحسن البصري رحمه الله قوله: “إنَّ المؤمنَ قوامٌ على نفسِهِ يحاسبُ نفسَهُ للهِ عزَّ وجلَّ، وإنما خفَّ الحسابُ يومَ القيامةِ على قومٍ حاسبوا أنفسَهم في الدنيا، وإنما شقَّ الحسابُ يومَ القيامةِ على قومٍ أخذوا هذا الأمرَ من غيرِ محاسبةٍ”. وقال أيضًا: “يا ابنَ آدمَ إنكَ لا تصيبُ حقيقةَ الإيمانِ حتى لا تعيبَ الناسَ بعيبٍ هوَ فيكَ، وحتى تبدأَ بصلاحِ ذلكَ العيبِ من نفسِكَ فتصلحَهُ، فإذا فعلتَ ذلكَ لم تصلحْ عيبًا إلا وجدتَ عيبًا آخرَ لم تصلحْهُ، فإذا فعلتَ ذلكَ كانَ شغلُكَ في خاصةِ نفسِكَ، وأحبُّ العبادِ إلى اللهِ تعالى من كانَ كذلكَ”.
وبهذه المعالم، أكدت الخطبة أن القلوب تصان من الغلو، وتحفظ الأعمال من الرد، ويسد باب الوهم قبل أن يتحول إلى فتنة، ويربى المسلم على أن الهداية توفيق لا دعوى، وأن الصواب فضل لا استحقاق، وأن أخطر الخسارة أن يعمل الإنسان، ويجتهد، ويتعب، ثم يلقى الله وقد ضل سعيه وهو يحسب أنه يحسن صنعًا.
الخَاتِمَةُ: وفي ختام الخطبة، شددت على أن أخطر ما يبتلى به الإنسان في دينه ليس الوقوع في الذنب مع الشعور بالذنب، ولكن الوقوع في الخطأ مع الاطمئنان إليه، وأن يسير في طريق يظنه هدى، وهو في الحقيقة انحراف، وأن يعمل عملًا يراه إحسانًا، وهو عند الله مردود أو ناقص أو مشوب.
ولذلك ختم الله هذا الباب العظيم بنداء يوقظ القلوب، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (النجم: 32). وأوضحت الخطبة أن الميزان ليس فيما يراه الإنسان من نفسه، ولا فيما يشعر به من طمأنينة أو حماسة، ولكن الميزان فيما يعلمه الله من صدق القلب وصحة الطريق وموافقة العمل لهدي نبيه صلى الله عليه وسلم. ونقلت عن ابن كثير رحمه الله قوله: “تَمدَحوها وتَشكُروها وتَمنّوا بأَعمالِكُم، (هُوَ أَعلَمُ بِمَنِ اتَّقى)، كما قالَ: (أَلَم تَرَ إِلَى الَّذينَ يُزَكّونَ أَنفُسَهُم، بَلِ اللَّهُ يُزَكّي مَن يَشاءُ وَلا يُظلَمونَ فَتيلاً) (النِّساءِ: 49)”. وقال القرطبي: “فَلا تُزَكّوا أَنفُسَكُم أَي لا تَمدَحوها ولا تُثنوا عَلَيها، فَإِنَّهُ أَبعَدُ مِنَ الرِّياءِ وَأَقرَبُ إِلَى الخُشوعِ، هُوَ أَعلَمُ بِمَنِ اتَّقى أَي أَخلَصَ العَمَلَ وَاتَّقى عُقوبَةَ اللَّهِ، عَنِ الحَسَنِ وغَيرِهِ. قالَ الحَسَنُ: قَد عَلِمَ اللَّهُ سُبحانَهُ كُلَّ نَفسٍ ما هِيَ عامِلَةٌ، وَما هِيَ صانِعَةٌ، وَإِلَى ما هِيَ صائِرَةٌ”.
ودعت الخطبة الجميع إلى الوقوف عند هذه الآية وقفة مراجعة لا وقفة تلاوة: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾، سائلين أنفسهم: هل نزن أعمالنا بالوحي أم بالمشاعر؟ هل نقيس طريقنا بالسنة أم بالهوى؟ هل نخاف على أعمالنا من الرد كما نخاف على ذنوبنا من العقوبة؟
واختتمت الخطبة بالدعاء: “اللهمَّ احفظْ بلادَنا مصر وأموالَنا وأعراضَنا، وباركْ في أرزاقِ الناسِ، وادفعْ عنا الفتنَ ما ظهرَ منها وما بطنَ.”











