الأصول الروسية المجمدة: ساحة صراع اقتصادي بين واشنطن وبروكسل
تحليل معمق للخلافات الاستراتيجية حول تمويل أوكرانيا والمخاوف القانونية التي تعرقل القرار الأوروبي.

تُحتجز أصول روسية بقيمة تتجاوز 210 مليارات يورو داخل حدود الاتحاد الأوروبي، وهو رقم لا يمثل مجرد أداة ضغط اقتصادي، بل تحول إلى نقطة خلاف استراتيجي عميق بين ضفتي الأطلسي. هذا المبلغ الضخم، الذي كان يُنظر إليه في البداية كورقة رابحة موحدة ضد موسكو، يكشف الآن عن تصدعات في الرؤى السياسية بين واشنطن وبروكسل، حيث ترى كل جهة في هذه الأموال وسيلة لتحقيق أهداف مختلفة جذريًا.
صدام المصالح عبر الأطلسي
يطرح الاتحاد الأوروبي خطة طموحة لاستخدام أرباح هذه الأصول كضمانة لقرض ضخم بقيمة 90 مليار يورو، بهدف تأمين الاحتياجات الاقتصادية والعسكرية لأوكرانيا على المدى المتوسط، وهو ما يعكس إدراكًا أوروبيًا بأن توقف المساعدات الأمريكية يضع العبء المالي بالكامل تقريبًا على كاهل القارة. في المقابل، تضغط الإدارة الأمريكية على حلفائها الأوروبيين لتعطيل هذه الخطة، ليس من منطلق الحرص على الأصول الروسية، بل لأنها تعتبر هذه الأموال ورقة مساومة حيوية لا يمكن التنازل عنها في أي مفاوضات سلام مستقبلية مع موسكو. التباين واضح: أوروبا تبحث عن حلول تمويلية عاجلة لحرب قائمة، بينما تفكر واشنطن في أدوات دبلوماسية لإنهاء تلك الحرب، حتى لو كان ذلك بشروط قد لا ترضي كييف.
ألمانيا ورفض الوصاية الأمريكية
تتجلى السيادة الأوروبية في هذا الملف من خلال الموقف الألماني الحازم، الذي لخصه المستشار فريدريش ميرتس بتأكيده أنه “لا إمكانية لترك الأموال التي نعبئها للولايات المتحدة”. هذا التصريح ليس مجرد موقف تفاوضي، بل هو إعلان بأن القضايا التي تمس الأمن والاقتصاد الأوروبي بشكل مباشر يجب أن تُحسم داخل أوروبا، خاصة وأن الغالبية العظمى من الأصول المجمّدة موجودة في مؤسسات مالية أوروبية. يعكس هذا الموقف الألماني تحولاً في الديناميكيات، حيث لم تعد أوروبا مستعدة لتكون مجرد تابع للقرارات الاستراتيجية الأمريكية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بتكاليف ومخاطر تقع بالكامل ضمن نطاقها الجغرافي والاقتصادي.
المخاوف البلجيكية: اقتصاد وقانون
في قلب المعارضة الأوروبية الداخلية تقف بلجيكا، التي لا يعبر موقفها عن تردد سياسي بقدر ما يعكس قلقًا اقتصاديًا وقانونيًا مشروعًا، فتركّز الجزء الأكبر من الأصول الروسية في بروكسل يجعلها في خط المواجهة المباشر لأي إجراءات انتقامية روسية أو تحديات قضائية مستقبلية. تخشى الحكومة البلجيكية من أنها ستُترك وحيدة لتحمل فاتورة أي تعويضات قد تفرضها المحاكم الدولية، مما يثير تساؤلات جدية حول الأساس القانوني لمثل هذه الخطوة وتبعاتها على سمعة اليورو كعملة احتياطية آمنة. هل من العدل أن تتحمل دولة واحدة المخاطر نيابة عن تكتل يضم 27 عضوًا؟
آليات التمويل وبدائلها
إن الاقتراح الأوروبي مصمم بعناية لتجنب المصادرة المباشرة للأصول، عبر الاكتفاء باستخدام الأرباح السنوية الناتجة عنها، وهي آلية تهدف إلى تقليل المخاطر القانونية. لكن حتى هذا الحل الوسط يواجه معارضة من دول مثل المجر وسلوفاكيا، مما يعقد عملية الوصول إلى الإجماع المطلوب. ومع رفض دول وازنة مثل ألمانيا لفكرة إصدار ديون أوروبية مشتركة كبديل، تبدو الخيارات المتاحة أمام الاتحاد الأوروبي محدودة ومحفوفة بالانقسامات السياسية. هذا الوضع يضع أوكرانيا في حالة من عدم اليقين المالي، حيث يعتمد مستقبلها الاقتصادي والعسكري على قدرة حلفائها على تجاوز خلافاتهم الاستراتيجية الداخلية.










