أصداء عربية في قلب هوليوود: أفلام تروي قصصًا من الوجدان العالمي في سباق الأوسكار
السينما العربية تحلق عاليًا في القوائم المختصرة للأوسكار، حاملة معها حكايات من الألم والأمل والتاريخ.

في هدوء يسبق عاصفة الترقب، أعلنت أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة في الولايات المتحدة، مساء الثلاثاء، عن قوائمها المختصرة للدورة الثامنة والتسعين لجوائز الأوسكار. هذا الإعلان، الذي يسبق الترشيحات النهائية المرتقبة في 22 يناير 2026، يفتح الأبواب أمام 12 فئة رئيسية، تتصدرها فئة أفضل فيلم روائي دولي، والتي لطالما كانت مرآة تعكس تنوع الأصوات السينمائية حول العالم. من المتوقع أن يضيء حفل توزيع الجوائز مسرح دولبي في هوليوود بتاريخ 15 مارس 2026، ليُتوّج إبداعات عام كامل.
شهدت القائمة المختصرة هذا العام تدفقًا ثقافيًا غنيًا، حيث تلاقت الرؤى من مختلف بقاع الأرض، مؤكدة على أن الفن لا يعرف حدودًا. كانت هذه اللحظة فارقة، إذ حملت معها حضورًا عربيًا لافتًا، يمثل مشهدًا سينمائيًا يتجذر عميقًا في التاريخ والحاضر، ويقدم للعالم قصصًا تستحق أن تُروى.
صوت يتردد من غزة
من بين الأعمال التي لمعت في سماء الأوسكار، يبرز الفيلم التونسي «صوت هند رجب»، للمخرجة المبدعة كاوثر بن هنية. إنه ليس مجرد فيلم، بل شهادة حية، صرخة إنسانية مدوية تتجاوز الشاشات لتلامس الوجدان. الفيلم، الذي يمزج بين الدراما الوثائقية والواقعية المؤلمة، يعالج قصة الطفلة الفلسطينية هند رجب، التي لم تتجاوز الخامسة من عمرها حينما التهمتها نيران العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في عام 2024. تستند الرواية السينمائية إلى التسجيلات الصوتية الأخيرة لهند، تلك الهمسات المرتعشة التي حاولت من خلالها التواصل مع طواقم الإسعاف قبل أن يغتالها الصمت الأبدي.
تُقدم بن هنية عملًا فنيًا مكثفًا، يمزج بين دقة التوثيق وعمق المعالجة الفنية، ليُسلط الضوء على البعد الإنساني للضحايا المدنيين، ولتصبح قصة هند رمزًا للأبرياء الذين يدفعون ثمن الصراعات. إنه فيلم يترك أثرًا عميقًا، يثير الأسئلة ويحرك المشاعر، ويجعل المشاهد يتأمل في هشاشة الحياة وقسوة الواقع، مما منحه زخمًا قويًا في هذا السباق العالمي.
تاريخ ينبض على الشاشة
لا يقل حضور الفيلم الفلسطيني «فلسطين 36» للمخرجة آن ماري جاسر أهمية، فهو يمثل نبضًا آخر من قلب المشهد العربي. هذا العمل السينمائي لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يسعى إلى استحضار روح العام 1936 في فلسطين، من منظور درامي يعيد قراءة لحظات مفصلية في التاريخ الفلسطيني، ليس فقط على المستوى السياسي، بل الاجتماعي والإنساني أيضًا. 
الفيلم ينسج خيوطًا سردية معقدة، تعيد إحياء ذاكرة مجتمع بأكمله، وتُبرز كيف تتشكل الهوية من رحم الصراع والتحديات. إنه دعوة للتأمل في الجذور، وفهم الحاضر من خلال عدسة الماضي، مما يجعله إضافة قيمة للمكتبة السينمائية العالمية.
أصداء الهوية والشتات
من الأردن، يأتي فيلم «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعيبس، ليضيف بعدًا آخر للرواية العربية. هذا العمل السينمائي يغوص في أعماق قضايا الهوية والذاكرة الإنسانية، متقاطعًا مع تجارب شخصية وجماعية للبحث عن الذات في مواجهة تحديات الحياة المعاصرة، من حروب وشتات وتغيرات اجتماعية. إنه رحلة بصرية وفكرية، تدعو المشاهد إلى التفكير في معنى الانتماء والبحث عن الجذور في عالم دائم التغير، مما أكسبه مكانة مستحقة في القائمة المختصرة.
العراق.. مرآة الواقع
ولم تكتمل اللوحة العربية إلا بحضور الفيلم العراقي «كعكة الرئيس» للمخرج حسن هادي. هذا الفيلم يعكس رؤية سينمائية فريدة عن الحياة في العراق، من منظور إنساني اجتماعي يلامس تفاصيل الوجود اليومي. يبرز العمل تأثيرات السلطة والواقع السياسي على الأفراد والمجتمعات في بيئة ما بعد النزاع، مقدمًا صورة صادقة ومؤثرة عن التحديات والآمال التي يحملها العراقيون. إنها قصة عن الصمود، عن البحث عن بصيص أمل في ظلال الماضي الثقيل، وعن قدرة الإنسان على التكيف والاستمرار.
تمثل مشاركة هذه الأفلام العربية الأربعة في القائمة المختصرة إنجازًا تاريخيًا، ليس فقط للسينما العربية، بل للمشهد السينمائي العالمي بأسره. فمن بين 86 دولة قدمت أعمالها في فئة أفضل فيلم روائي دولي، تمكنت أربعة أعمال عربية من الوصول إلى هذه المرحلة المتقدمة، لتكون ضمن 15 فيلمًا فقط. هذا يعكس قوة الحضور الفني وتنوع الرؤى السينمائية في المنطقة، ويؤكد على قدرة هذه الأفلام على تجاوز الحواجز الثقافية واللغوية، لتصل إلى قلب الجمهور العالمي. تصفح القائمة الكاملة للأفلام المختصرة هنا.
تنتظر الأفلام المختارة الآن جولة جديدة من التصويت، حيث سيقوم أعضاء كل فرع مختص في الأكاديمية باختيار الترشيحات النهائية. ستُعلن هذه القائمة الرسمية في 22 يناير 2026، قبل شهر تقريبًا من الحفل المنتظر. وإذا ما نالت هذه الأعمال العربية ترشيحًا رسميًا في القائمة النهائية، فإنها ستكون لحظة فارقة، تعزز من حضور السينما العربية على الساحة الدولية، وتؤكد على أهمية القصص الإنسانية والسياسية المستمدة من تجارب حقيقية، والتي تمس وجدان المشاهد العالمي. إنها خطوة نحو الاعتراف الأوسع، وتأكيد على أن الفن هو لغة عالمية توحد البشرية في فهم آلامها وآمالها.
