بينالي البندقية: فنون الأداء والاحتجاجات السياسية تعيد رسم خارطة “المفاتيح الصغرى”
الحضور البشري والسياسة يهيمنان على أجنحة بينالي البندقية للفنون

شهد أسبوع افتتاح بينالي البندقية للفنون تحولاً ملحوظاً نحو فنون الأداء والمواقف السياسية المباشرة، حيث قاد المستشار الفني ورئيس مجلس إدارة “برفورمانس سبيس نيويورك” توماس روم، مجموعة من المقتنين عبر أجنحة الحدث الذي طغت عليه تيمة “المفاتيح الصغرى” (In Minor Keys) للمنسقة الراحلة كويو كوو. وركزت المعارض الرئيسية على تفكيك الهياكل المؤسسية التقليدية؛ ففي الجناح الكندي، استعرض عباس أخافان بيئة حسية تمحورت حول النزوح والبقاء، بينما تناول الجناح الدنماركي عبر مايا مالو ليز موضوع الخصوبة كاستعارة للاضطراب الرقمي وتآكل الروابط الإنسانية، في حين قدم الجناح البلجيكي أصواتاً مجزأة وحركات جماعية تعكس حالة عدم الاستقرار.
انسحبت جنوب أفريقيا رسمياً من نسخة هذا العام، مما دفع الفنانة غابرييل غوليات لعرض عملها “رثاء” بشكل مستقل في كنيسة سانت أنتونين، حيث قامت سبع مغنيات أوبرا بأداء طقس حداد جماعي. وبالتزامن مع ذلك، أغلقت عدة أجنحة وطنية أبوابها تضامناً مع القضية الفلسطينية، بينما سجلت أجنحة روسيا وإسرائيل والسعودية لقاءات فنية ونقاشات حول الدبلوماسية الثقافية والتبادل الفكري.
يرى توماس روم أن تصاعد فنون الأداء في دورة هذا العام يمثل استجابة مباشرة للتسارع التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، مشيراً في ملاحظاته إلى أن الحضور البشري أصبح “وسيطاً وسلعة” في ظل الأنظمة الرقمية. وشارك روم في استضافة عرض الفنان جوردان روث في “بالاتزو دي فيوري”، وهو أداء استمر 70 ساعة ركز على الحركة المتأنية والتركيز الذهني كأدوات للحضور النفسي.
تضمن الحدث عروضاً تقنية دمجت بين التاريخ والتجريد، منها استخدام سو شياوباي لتقنيات اللاكيه القديمة، وعرض مايكل أرميتاج في “بالاتزو غراسي” الذي رصد الذاكرة الاستعمارية لشرق أفريقيا عبر تكوينات لونية معقدة. وفي معرض “جزر الصمت”، قدم كان ياسودا منحوتات رخامية تهدف إلى خلق حالة من الهدوء، بينما استضاف فندق “ميتروبول” حواراً بصرياً لـ براخا إيتينجر داخل الغرفة التي شغلها سابقاً سيغموند فرويد.
برزت فنون الأداء كأداة للمقاومة الثقافية في أجنحة أخرى، منها أداء فلورنتينا هولتسينغر في الجناح النمساوي، وحضور مارينا أبراموفيتش في الأكاديمية، إضافة إلى عرض كيلسي لو في “بالاتزو دييدو”. تصر هذه الأعمال على إبراز التعقيد البشري في مواجهة أنظمة السيطرة والمحاكاة، بينما استعرض الجناح الاسكتلندي مفهوم “البذخ الكويري” كأداة لرفض التقشف والقيود المعيارية.
