أسواق النفط بين مطرقة العقوبات وسندان فائض المعروض

النفط يختتم أسبوعاً متقلباً.. كيف ترسم الضغوط السياسية خريطة الإمدادات العالمية وسط مخاوف من تخمة الإنتاج؟

محررة اقتصادية في منصة النيل نيوز، متخصصة في رصد المؤشرات الاقتصادية وصياغتها بلغة واضحة للجمهور

أنهت أسعار النفط أسبوعاً من التداولات المتقلبة على وقع خسائر للأسبوع الثاني على التوالي، رغم تحقيقها مكاسب طفيفة في جلسة الجمعة. ويجد السوق نفسه عالقاً في منطقة وسطى بين ضغوط جيوسياسية متصاعدة، تمثلت في العقوبات على روسيا، ومخاوف اقتصادية متنامية من تخمة في المعروض العالمي قد تضغط على الأسعار بقوة خلال الفترة المقبلة.

ضغوط العقوبات تعيد رسم التحالفات

لم تعد العقوبات مجرد قرارات سياسية، بل أصبحت عاملاً مؤثراً بشكل مباشر في حركة التجارة العالمية للطاقة. وفي أحدث تجلياتها، أدت الإجراءات التي فرضها البيت الأبيض للحد من مشتريات النفط الروسي إلى انسحاب مجموعة “غنفور غروب”، إحدى أكبر شركات تجارة النفط، من صفقة للاستحواذ على أصول دولية تابعة لعملاق الطاقة الروسي “لوك أويل”. هذه الخطوة لا تترك مصير تلك الأصول غامضاً فحسب، بل ترسل إشارة واضحة بأن الشركات الكبرى باتت تتجنب أي صفقات قد تضعها في مواجهة مع واشنطن.

ويرى مراقبون أن هذه التطورات بدأت تؤثر بالفعل في أسواق المنتجات المكررة، وتحديداً وقود الديزل الذي شهد ارتفاعاً ملحوظاً في أسعاره، مما يعكس قلقاً حقيقياً من شح الإمدادات الروسية. ومع ذلك، فإن جبهة العقوبات قد لا تكون متماسكة بالكامل، إذ ألمح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب إلى إمكانية منح المجر استثناءات، وهو ما أدى إلى تراجع مؤقت في الأسعار، كونه يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى صرامة تطبيق الحظر على المدى الطويل.

شبح الفائض يخيّم على الأسواق

على الجانب الآخر من المعادلة، تبدو المخاوف من فائض المعروض هي الأكثر إلحاحاً. وتتجلى هذه المخاوف في المؤشرات الفنية للسوق، حيث وصل الفارق السعري بين العقود الآجلة الأقرب لخام غرب تكساس الوسيط إلى أضعف مستوياته منذ فبراير. هذا المؤشر، المعروف في أوساط المتداولين، يعكس توقعات بزيادة المخزونات وتراجع الطلب المستقبلي.

وفي هذا السياق، يقول الخبير في شؤون الطاقة دينيس كيسلر، من “بي أو كي فاينانشال”، إن “تحول السوق إلى حالة كونتانغو (حيث تكون الأسعار المستقبلية أعلى من الحالية) قد يشجع المزيد من الصناديق على المراهنة على هبوط الأسعار”. ويضيف كيسلر أن “ما يثير دهشة معظم المتعاملين هو حفاظ إنتاج النفط الصخري الأمريكي على قوته رغم انخفاض الأسعار، مما يضيف المزيد من البراميل إلى سوق متخمة بالفعل”.

نظرة مستقبلية: بين بيانات الطلب وتقارير الإنتاج

تتجه الأنظار الآن نحو المستقبل القريب، حيث من المتوقع أن يرتفع الإنتاج من داخل تحالف “أوبك+” وخارجه بحلول نهاية العام الجاري ومطلع 2026. وتذهب تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن العالم قد يسجل فائضاً قياسياً في الإمدادات، وهو ما يضع سقفاً لأي ارتفاعات كبيرة في أسعار النفط.

وفيما يتعلق بالطلب، قدمت الصين، ثاني أكبر مستهلك للنفط عالمياً، إشارات متباينة. فرغم ارتفاع وارداتها من الخام في أكتوبر على أساس سنوي، تشير التوقعات إلى تباطؤ وتيرة ملء احتياطياتها الاستراتيجية، وهو ما قد يضعف أحد أهم العوامل التي دعمت الأسعار خلال الأشهر الماضية. وسينتظر المتعاملون بفارغ الصبر تقارير “أوبك” ووكالة الطاقة الدولية الأسبوع المقبل للحصول على رؤية أوضح لميزان العرض والطلب.

في المحصلة، يبدو أن سوق الطاقة العالمي يعيش مرحلة من انعدام اليقين، حيث تتصارع العوامل السياسية قصيرة الأجل مع الأساسيات الاقتصادية طويلة الأجل. وبينما قد تؤدي أي أزمة جيوسياسية إلى ارتفاعات مؤقتة، فإن شبح فائض المعروض يظل هو العامل المهيمن الذي قد يحدد مسار أسعار النفط في نهاية المطاف، ما لم تحدث مفاجآت غير متوقعة في جانب الطلب العالمي.

Exit mobile version