اقتصاد

أسواق المال تتنفس الصعداء: هل يمهد تباطؤ التضخم الطريق لخفض الفائدة في 2026؟

تحليل معمق لتأثير بيانات التضخم الأمريكية على قرارات الاحتياطي الفيدرالي وتوقعات المستثمرين.

محرر في قسم الاقتصاد بمنصة النيل نيوز، يركز على تحليل الأخبار الاقتصادية

شهدت أروقة وول ستريت موجة من التفاؤل العارم مؤخرًا، مدفوعة بإشارات واضحة على تباطؤ ملحوظ في وتيرة التضخم داخل الولايات المتحدة خلال الشهر الماضي. هذه التطورات لم تكتفِ بتحريك مؤشرات الأسهم والسندات صعودًا فحسب، بل أعادت إحياء الآمال لدى المستثمرين ببدء دورة خفض لأسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي بحلول عام 2026.

وعلى الرغم من الشكوك التي أحاطت بسلامة هذه الأرقام، والتي جاءت في أعقاب فترة إغلاق حكومي أثرت على جمع البيانات، إلا أن الأسواق استقبلت بحفاوة هذا التباطؤ غير المسبوق في ارتفاع أسعار المستهلكين، والذي يُعد الأقل منذ مطلع عام 2021.

لم يقتصر الدعم على جبهة التضخم وحدها؛ فقد تلقى المستثمرون دفعة إضافية من التوقعات الإيجابية التي أعلنها عملاق صناعة الرقائق، “مايكرون تكنولوجي”، مما أشعل شهية الأسواق تجاه قطاع الذكاء الاصطناعي الواعد. في خضم هذه الأجواء، استعاد مؤشر “إس آند بي 500” عافيته، محققًا ارتفاعًا بنحو 1%، ليضع بذلك حدًا لسلسلة من التراجعات دامت أربعة أيام متتالية.

في المقابل، شهدت عوائد سندات الخزانة الأمريكية تراجعًا ملحوظًا، حيث جاءت قراءة مؤشر أسعار المستهلكين لتُبدد جزءًا من المخاوف التي كانت تسيطر على المتعاملين بشأن احتمال استمرار التضخم بوتيرة حادة، الأمر الذي كان من شأنه أن يعرقل أي خطط مستقبلية لخفض أسعار الفائدة.

في تعليقها على هذه المستجدات، أشارت سيما شاه، الخبيرة لدى “برينسيبال أسيت مانجمنت”، إلى أن “الأرقام التي جاءت بها بيانات التضخم في نوفمبر، والتي خالفت التوقعات بتراجعها، منحت مؤيدي التيسير النقدي داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي حجة قوية لدعم مواقفهم.”

وأردفت شاه موضحةً: “بالرغم من أننا لا نستطيع إغفال احتمالية وجود بعض التشوهات في البيانات، إلا أن هذا الانخفاض الحاد في معدل التضخم السنوي يضع الاحتياطي الفيدرالي في موقف لا يملك فيه مبررًا قويًا لتجاهل ارتفاع معدلات البطالة، مما قد يدفعه نحو اتخاذ إجراءات داعمة للاقتصاد.”

قراءة التضخم: بين التشويش الحكومي ودعم الأسواق

لقد ألقت تداعيات الإغلاق الحكومي بظلالها على عملية جمع البيانات الاقتصادية، حيث تعذر على مكتب إحصاءات العمل الحصول على معلومات الأسعار لشهر أكتوبر بالكامل، ولم يتمكن من استئناف أخذ العينات في نوفمبر إلا بعد الموعد المعتاد.

من جانبه، يرى جيم بيرد، المستشار المالي في “بلانتي موران فاينانشال أدفايزرز”، أن مدى تأثير هذه القراءة الأخيرة لمؤشر أسعار المستهلكين على قرارات صانعي السياسات سيتوقف بشكل كبير على مستوى الثقة التي سيولونها لدقتها، في ظل الظروف الاستثنائية التي أحاطت بجمعها.

وأوضح بيرد أن “النتائج الأولية للتضخم تبدو إيجابية، وقد تفتح الباب أمام سياسات نقدية أكثر تيسيرًا من قبل الاحتياطي الفيدرالي. ومع ذلك، لا تزال هناك تساؤلات جوهرية كافية تثير الشكوك حول إمكانية خفض الفائدة في اجتماع يناير المقبل.”

وفيما يتعلق بتوقعات السوق، تُشير عقود المبادلة حاليًا إلى فرصة لا تتجاوز 20% لخفض أسعار الفائدة في اجتماع يناير، بينما تُسعّر الأسواق خفضًا كاملاً للفائدة بحلول منتصف عام 2026. ويحافظ المتعاملون على قناعتهم بأن الاحتياطي الفيدرالي سيلجأ إلى تخفيضين لأسعار الفائدة خلال العام المقبل.

الأسهم تنتعش والعوائد تتراجع: نظرة على أداء الأسواق

على صعيد الأداء السوقي، سجل مؤشر “ناسداك 100” ارتفاعًا بنسبة 1.5%، بينما شهد سهم “مايكرون” قفزة لافتة بلغت 10%. ولم تتوقف المكاسب عند هذا الحد، ففي تداولات ما بعد الإغلاق، أعلنت “فيديكس” عن رفع توقعاتها للأرباح، في حين فاجأت “نايكي” الجميع بتحقيق قفزة غير متوقعة في مبيعاتها. وفي غضون ذلك، انخفض عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات بمقدار أربع نقاط أساس ليستقر عند 4.11%، بينما شهد الدولار تقلبات طفيفة. يمكن الاطلاع على أحدث تقارير أداء الأسواق العالمية عبر هذا الرابط.

لم تكن الولايات المتحدة وحدها مسرحًا للتحركات الاقتصادية، فقد شهدت الأسواق العالمية يومًا حافلًا بالقرارات المتعلقة بالسياسة النقدية. ففي الوقت الذي استقبلت فيه الأسواق الأمريكية أنباء التضخم بارتياح، كان أداء السندات الألمانية والبريطانية أقل قوة مقارنة بنظيرتها الأمريكية، وذلك بعد أن أرسل كل من البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا إشارات أكثر تشددًا بخصوص مسار أسعار الفائدة المستقبلية.

وفي تحليل له، أكد ستيف سوسنيك من “إنتراكتيف بروكرز” أن انتعاش سوق الأسهم يوم الخميس كان نتيجة مباشرة لتضافر عاملين رئيسيين: بيانات التضخم الأمريكية وتوقعات “مايكرون”. وعلق قائلًا: “لقد ولت أيام التراجع. فالمشاعر السلبية سرعان ما تتلاشى أمام الأخبار الإيجابية، وقد تلقينا بالفعل ما يطمئننا بخصوص مصدرين أساسيين للقلق كانا يسيطران على الأسواق.”

التضخم: بصيص أمل في نفق البيانات المشوشة

كشف تقرير التضخم الأخير، الذي جاء في ظل ظروف استثنائية تمثلت في أطول إغلاق حكومي تشهده البلاد، عن مفاجأة سارة: فقد أظهرت البيانات أن معدلات التضخم في العديد من الفئات، التي كانت مستقرة عند مستويات مرتفعة لفترات طويلة، قد بدأت تتلاشى بشكل ملحوظ. والأهم من ذلك، أن مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي سجل ارتفاعًا سنويًا بنسبة 2.6% في نوفمبر، وهو رقم جاء أقل من جميع التقديرات والتوقعات.

من جهته، صرح بريت كينويل، المحلل لدى “إيتورو”، بأن قراءة شهر نوفمبر، رغم ما شابها من تقلبات، تبعث الأمل في ظهور مسار تضخمي مغاير تمامًا لما شهدناه على مدار الأشهر الستة الماضية. ومع ذلك، أكد كينويل على ضرورة انتظار المزيد من البيانات لتأكيد هذا التحول الواعد.

وتابع كينويل موضحًا: “على الرغم من أن هذه القراءة تمثل نقطة بيانات واحدة فقط، وليست المقياس الذي يفضله الاحتياطي الفيدرالي لاتخاذ قراراته، إلا أن تراجع حدة المخاوف بشأن التضخم قد يمهد الطريق أمام تبني سياسة نقدية أكثر مرونة وتيسيرًا في المستقبل القريب.”

وفي سياق متصل، يرى ستيفن كيتس من “بانكريت فاينانشال” أن تقرير التضخم الأخير يقدم دعمًا قويًا للموقف المتحفظ الذي اتخذه الاحتياطي الفيدرالي في اجتماعه الأخير، بل وقد يعزز من احتمالية الإقدام على خفض آخر لأسعار الفائدة في اجتماع يناير.

من جانبها، علقت إيلين زنتنر، من “مورغان ستانلي ويلث مانجمنت”، قائلة: “لقد أعلن الاحتياطي الفيدرالي سابقًا أنه يتبنى موقف الانتظار والترقب، واليوم شهدنا التضخم يتحرك بالفعل في الاتجاه الصحيح. ورغم أن التضخم قد يظل أعلى من المستوى المستهدف، إلا أن بيانات اليوم قد وسعت قليلًا من المساحة المتاحة أمام الفيدرالي لإجراء خفض إضافي لأسعار الفائدة.”

دعوات للحذر: هل البيانات الأخيرة كافية؟

على النقيض من هذا التفاؤل، حذر محللو “تي دي سيكيوريتيز”، أوسكار مونوز وجينادي غولدبيرغ وجاياتي بهارادواج، المشاركين في السوق من التسرع، ناصحين إياهم بـ”عدم التعويل على الإشارة التيسيرية التي حملها تقرير نوفمبر، والترقب بدلًا من ذلك لصدور أرقام ديسمبر التي يُفترض أن تكون أكثر موثوقية”. وأضافوا في توصيتهم: “نتوقع أن يتبنى مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي النهج ذاته.”

أما جيسون برايد من “غلينميد”، فقد اعتبر أن التدقيق في تفاصيل التقرير أمر مشروع، مشيرًا إلى أنه يقدم دليلًا إضافيًا على أن مسار التضخم يتجه نحو الانخفاض. وأوضح برايد أن “الاحتياطي الفيدرالي يجد نفسه في موقف يوازن فيه بين مخاوف متضاربة تتعلق بالتضخم ووضع سوق العمل. لذا، فإن أي بيانات إضافية تُشير إلى تباطؤ مستمر في اتجاهات الأسعار قد تبرر إجراء المزيد من تخفيضات أسعار الفائدة، أو حتى تسريع وتيرة هذه التخفيضات.” وخلص إلى التأكيد على أن “تقرير مؤشر أسعار المستهلكين لشهر ديسمبر، والذي سيصدر الشهر المقبل، أصبح الآن يحمل أهمية أكبر بكثير.”

في السياق ذاته، قلل كاي هاي من “غولدمان ساكس أسيت مانجمنت” من تأثير القراءة الأخيرة على موقف الاحتياطي الفيدرالي، عازيًا ذلك إلى طبيعة البيانات المتقلبة. ورجح هاي أن يفضل صانعو السياسات التركيز على قراءة شهر ديسمبر باعتبارها مؤشرًا أكثر دقة وموثوقية.

من جهته، حذر جيف روتش من “إل بي إل فاينانشال” من احتمال رؤية قراءات تضخم أعلى في المستقبل القريب، خاصة مع توقع ارتفاع الطلب نتيجة لعوائد ضريبية تفوق التوقعات في مطلع عام 2026. ومع ذلك، أعرب عن اعتقاده بأن “التضخم سيتجه نحو التراجع في النصف الثاني من العام المقبل.”

عام 2026: تفاؤل يحدوه الحذر في الأفق الاقتصادي

يرى كريس زاكاريلي من “نورثلايت أسيت مانجمنت” أن الأفق يبدو مفتوحًا أمام الاحتياطي الفيدرالي لمواصلة خفض أسعار الفائدة، وهو ما من شأنه أن يقدم دعمًا حيويًا لسوق العمل. ويضيف زاكاريلي أنه “إذا ما سادت روح التفاؤل في الأسواق، فإن أسعار الأسهم ستكون مؤهلة لتلقي المزيد من الدعم والارتفاع.”

وتابع زاكاريلي تحليله قائلًا: “على الرغم من أن العام المقبل سيحمل في طياته تحديات جديدة لا مفر منها، إلا أننا قد نشهد في نهاية العام الحالي فرصة لتحقيق مكاسب إضافية، مدعومة بنمو الأرباح وارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، مع بقاء التضخم تحت السيطرة في الوقت الراهن.”

من جانبها، أكدت جينيفر تيمرمان من “ويلز فارغو إنفستمنت إنستيتيوت” أن قراءة التضخم المفاجئة قد أعادت سيناريو خفض أسعار الفائدة إلى واجهة اهتمامات الاحتياطي الفيدرالي لعام 2026. ومع ذلك، شددت تيمرمان على ضرورة الحصول على بيانات لعدة أشهر إضافية لتأكيد هذا التحسن الملحوظ في مسار التضخم.

وفي رؤية أكثر جرأة، صرحت جينا بولفين من “بولفين ويلث مانجمنت غروب” بأن “التضخم قد خرج عن السيطرة، وأن الاحتياطي الفيدرالي يدرك تمامًا هذا الواقع. لقد جاءت قراءة اليوم لتقدم للأسواق ما كانت تتوق إليه: تأكيدًا على استدامة مسار خفض التضخم، وأن التيسير النقدي بات وشيكًا.”

ووجهت بولفين نصيحة للمستثمرين بضرورة التركيز على فرص النمو مع تبني استراتيجيات حذرة، قائلة: “يجب أن تتم عملية اختيار الاستثمارات بعناية فائقة، وأن تتحلى بالاستراتيجية والقدرة على استباق الأحداث.”

رغم التفاؤل: مخاطر كامنة تهدد استقرار الأسواق

بينما تستعد الأسهم الأمريكية لاستقبال عام 2026 بزخم إيجابي وتوقعات تفاؤلية، لا تزال هناك سحب من المخاطر تلوح في الأفق. فمن أبرز هذه المخاطر التقييمات المرتفعة لبعض الأصول، بالإضافة إلى ضيق قاعدة الأسهم التي تقود المكاسب، وهو ما يمثل وضعًا محفوفًا بالمخاطر بطبيعته. ويعلق الكثير من الآمال على قدرة شركات الذكاء الاصطناعي على إثبات أنها ليست مجرد فقاعة، بل كيانات تمتلك فرصًا هائلة للنمو المستقبلي.

وفي تأكيد على هذه المخاوف، أظهر استطلاع حديث أجراه “دويتشه بنك” أن ما يقرب من 57% من المشاركين يعتبرون أن أي تراجع حاد في تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي يمثل التهديد الأكبر لاستقرار الأسواق المالية في عام 2026.

على النقيض من هذه التحذيرات، استبعد ستيف شوارتزمان، الرئيس التنفيذي لشركة “بلاكستون”، وجود أي فقاعة محتملة في قطاع مراكز البيانات التي تدعم تقنيات الذكاء الاصطناعي. ووصف شوارتزمان النشاط في هذا المجال بأنه “محافظ للغاية” ويفتقر إلى سمات المضاربة.

وفي مقابلة له مع شبكة “سي إن بي سي”، أوضح شوارتزمان دور “بلاكستون” بأنه “مقدم خدمات مباشر للشركات التي تحقق نجاحًا”. وشرح أن شركته تقوم بإنشاء مراكز بيانات متطورة، ثم تبرم عقود إيجار طويلة الأجل مع شركاء يتمتعون بملاءة مالية عالية، مثل شركة “إنفيديا”. واختتم حديثه بالقول: “هذا ليس نوعًا من الأعمال التي تنذر بفقاعات، بل هو عمل يتسم بالحذر الشديد والنهج المحافظ.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *