اقتصاد

أسعار الغاز لمصانع الأسمدة: خلاف تفسيري يشعل أزمة بين “إيجاس” وكبار المنتجين

كيف تحول قرار حكومي لزيادة سعر الغاز إلى نزاع معقد يهدد تكاليف الإنتاج في قطاع الأسمدة المصري؟

صحفية في قسم الاقتصاد بمنصة النيل نيوز، تتابع تطورات الأعمال والاستثمار وتحرص على تقديم معلومات دقيقة وموثوقة

اندلع خلاف حاد بين أربع من كبرى شركات الأسمدة في مصر والشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية “إيجاس”، على خلفية تفسير قرار حكومي بزيادة أسعار الغاز لمصانع الأسمدة. ويمثل هذا النزاع أحدث فصول التحديات التي تواجه قطاعًا استراتيجيًا للاقتصاد المصري، يوازن بين متطلبات التصدير واحتياجات السوق المحلية.

جذور الخلاف

بدأت الأزمة في منتصف سبتمبر الماضي، عندما أصدر مجلس الوزراء قراره برفع الحد الأدنى لسعر الغاز الطبيعي المورد لمصانع الأسمدة من 4.5 دولار إلى 5.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية. القرار أبقى على “المعادلة السعرية” المعمول بها منذ عام 2022، والتي تربط سعر الغاز بأسعار بيع اليوريا في الأسواق العالمية والمحلية، صعودًا وهبوطًا.

يكمن الخلاف في طريقة تطبيق هذا القرار. حيث قامت “إيجاس” بإرسال فواتير استهلاك عن النصف الثاني من سبتمبر بأسعار تصل إلى 6.2 دولار للمليون وحدة حرارية. وتُفسر الشركة القابضة القرار بأنه يضيف دولارًا إضافيًا فوق السعر الناتج عن المعادلة السعرية، مبررة ذلك بزيادة نسبة الصادرات إلى 63% من إجمالي الإنتاج.

موقف شركات الأسمدة

على الجانب الآخر، ترى شركات الأسمدة المتضررة، وهي “أبوقير” و”حلوان” و”كيما” و”الإسكندرية”، أن تفسير “إيجاس” غير صحيح ويفرض أعباءً مالية إضافية وغير قانونية. وتؤكد الشركات أن قرار مجلس الوزراء نص على رفع الحد الأدنى للسعر فقط، دون فرض أي زيادة إضافية فوق ما تحدده المعادلة السعرية، مما دفعها لطلب مراجعة الفواتير أو سدادها بالقيمة القديمة مؤقتًا.

تحليل الأبعاد الاقتصادية والسياسية

هذا الخلاف ليس مجرد نزاع محاسبي، بل يعكس توترًا أعمق في السياسات الاقتصادية للدولة. فالحكومة تسعى جاهدة لتعظيم مواردها من العملة الصعبة عبر تشجيع الصادرات، وهو ما يفسر موافقتها على خفض حصة الأسمدة المدعمة الموجهة للسوق المحلي من 55% إلى 37%. وفي الوقت نفسه، تحاول زيادة إيراداتها من بيع الطاقة، لكن تفسير “إيجاس” المتشدد قد يؤدي إلى تآكل القدرة التنافسية للمنتجين الذين تعتمد عليهم الدولة في تحقيق هذه الصادرات.

إن إصرار الشركات على نشر القرار في الجريدة الرسمية هو مؤشر واضح على استعدادها لخوض معركة قانونية، مما يكشف عن أزمة ثقة بين القطاع الخاص والجهات الحكومية المنظمة. ويضع هذا الموقف الحكومة أمام معادلة صعبة: كيفية الموازنة بين دعم الصناعة الوطنية لزيادة الصادرات، وبين حاجتها الماسة لزيادة إيراداتها من موارد الطاقة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

إجراءات موازية

في محاولة لامتصاص الصدمة على المستهلك المحلي، قررت الحكومة الإبقاء على سعر طن الأسمدة المدعوم عند 4500 جنيه، على أن تتحمل وزارة المالية فارق تكلفة يبلغ 1500 جنيه عن كل طن. كما تم إلزام الشركات بتوريد 2.4 مليون طن سنويًا للسوق المحلي، بانخفاض عن الكمية السابقة البالغة 3 ملايين طن، كجزء من حزمة التعويضات عن زيادة تكلفة الإنتاج.

تجدر الإشارة إلى أن هذا الخلاف لا يشمل جميع الشركات، حيث تم استثناء المصانع التي ترتبط بعقود توريد غاز تتضمن معادلات سعرية خاصة بها، مثل “موبكو” و”المصرية للأسمدة”، مما يضيف طبقة أخرى من التعقيد للمشهد العام. ومع استمرار المفاوضات دون التوصل إلى حل، يبقى قطاع الأسمدة في حالة ترقب، بانتظار كلمة الفصل في نزاع يختبر توازنات الاقتصاد المصري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *