أزمة واشنطن وبوغوتا: تداعيات الحرب التجارية على اقتصاد كولومبيا
تصعيد دبلوماسي يهدد بفرض رسوم جمركية وقطع للمساعدات، فكيف سيتأثر اقتصاد كولومبيا الهش بهذه المواجهة؟

تتجه العلاقات بين كولومبيا والولايات المتحدة نحو أزمة دبلوماسية وتجارية هي الثانية من نوعها في أقل من عام، وسط تهديدات متبادلة تضع اقتصاد كولومبيا الهش بالفعل على المحك. ومع ضيق هوامش التسوية، يرتفع خطر التصعيد ليلقي بظلاله على علاقات بوغوتا بواشنطن، شريكها التجاري الأكبر.
تأتي هذه المواجهة في وقت يبدو فيه أن كل رئيس يسعى لتحقيق أهداف سياسية داخلية؛ فالرئيس الكولومبي غوستافو بيترو قد يستثمر الصراع في حشد المشاعر القومية قبيل انتخابات العام المقبل، بينما يقدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أجندته الصارمة في التجارة والهجرة، مستخدماً كولومبيا كنموذج للدول التي تعارض سياساته.
تأثير محدود لقطع المساعدات
لن يكون لقرار ترامب المحتمل بوقف جميع المساعدات الخارجية الأمريكية لكولومبيا سوى تأثير متواضع على الورق، لكنه يفاقم التوقعات الاقتصادية المتدهورة. في عام 2024، بلغت قيمة هذه المساعدات 720 مليون دولار، أي ما يعادل 0.2% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم لا يغير بشكل جوهري توقعات البنك المركزي لعجز الحساب الجاري أو أهداف الحكومة للعجز المالي.
لكن التداعيات الأكبر تكمن في الإجراءات الأخرى. فالتهديد بفرض رسوم جمركية مرتفعة على الواردات الأمريكية من كولومبيا سيؤثر سلباً على الصادرات غير السلعية، ويوسع عجز الحساب الجاري، ويثقل كاهل قطاعات حيوية مثل الصناعة والزراعة، مما يضغط على النشاط الاقتصادي العام. كما تشكل القيود المحتملة على التأشيرات وتشديد التفتيش الجمركي والعقوبات المصرفية مخاطر إضافية كبيرة.
شراكة تجارية على المحك
تعتبر الولايات المتحدة الشريك التجاري الأكبر لكولومبيا، حيث بلغ إجمالي الصادرات إليها 14.3 مليار دولار في 2024، وهو ما يمثل 29% من إجمالي صادرات السلع. وتصدر النفط والوقود القائمة بقيمة 5.75 مليار دولار، تليهما منتجات رئيسية مثل الذهب والزهور والقهوة والفواكه.
رغم توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين عام 2006 وتفعيلها في 2012، لم تنجُ كولومبيا من الرسوم الجمركية التي أعلنتها واشنطن هذا العام. فالعجز التجاري الثنائي المستمر، الذي بلغ 1.19 مليار دولار في 2024، وضع بوغوتا ضمن قائمة الدول المستهدفة، مما رفع متوسط الرسوم الجمركية على وارداتها إلى 8% في يوليو 2025، بعد أن كانت 0.6% فقط في العام السابق.
إذا واجهت كولومبيا رسوماً جمركية مشابهة لتلك المفروضة على البرازيل أو الهند، فقد ترتفع المعدلات بشكل حاد لتصل إلى 50%. مثل هذا السيناريو من شأنه أن يدمر القدرة التنافسية للصادرات غير السلعية ويقوض أي فرصة لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، الذي يأتي أكثر من ثلثه من الولايات المتحدة.
الرد الكولومبي وتأثيره العكسي
في المقابل، هدد الرئيس بيترو بإجراءات انتقامية، معلناً أن بلاده سترد إذا نفذ ترامب تهديداته. قد يمنح هذا بيترو فرصة لفرض رسوم جمركية يعتقد أنها ستساعد الاقتصاد المحلي وتوفر إيرادات إضافية للحكومة التي تكافح لاحتواء عجز مالي كبير.
لكن هذا الرد سيكون سلاحاً ذا حدين. فالولايات المتحدة هي المصدر الرئيسي لواردات كولومبيا، بقيمة 15.5 مليار دولار العام الماضي. فرض رسوم جمركية على واردات حيوية مثل منتجات النفط المكرر والحبوب والآلات سيؤدي حتماً إلى زيادة الضغط التصاعدي على الأسعار المحلية ورفع توقعات التضخم.
هذا الوضع سيزيد من قلق البنك المركزي ويحد من قدرته على خفض أسعار الفائدة لدعم الاقتصاد. كما أن تهديد بيترو بإنهاء اتفاقية التجارة الحرة الثنائية، رغم انتهاك واشنطن لها، سيزيد من الضغوط على الاستثمار عبر إزالة الحماية التنظيمية للشركات الأمريكية، مما يضع أصول الدخل الثابت والأسهم والبيزو الكولومبي تحت ضغط مستمر.









