أزمة العقارات في الصين: الأسعار تهوي لأدنى مستوى رغم إجراءات التحفيز
لماذا فشلت الإجراءات الحكومية في إنعاش سوق العقارات الصيني؟ الأسعار تسجل أكبر تراجع منذ عام وتعمق من أزمة الاقتصاد

تتسارع وتيرة هبوط أسعار العقارات في الصين، مسجلةً أكبر انخفاض لها منذ عام، في مؤشر جديد على عمق الأزمة التي يمر بها القطاع. ويأتي هذا التراجع رغم سلسلة من الإجراءات التحفيزية التي طبقتها مدن كبرى في محاولة يائسة لإنعاش سوق العقارات الصيني المتعثر، مما يطرح تساؤلات حول مدى فعالية الأدوات الحكومية في مواجهة أزمة ثقة متجذرة.
أرقام تكشف عمق الأزمة
كشفت البيانات الرسمية الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاء يوم الإثنين، عن صورة قاتمة للوضع. فقد انخفضت أسعار المنازل الجديدة في 70 مدينة رئيسية، بعد استبعاد مشاريع الإسكان المدعوم من الدولة، بنسبة 0.41% خلال شهر سبتمبر مقارنة بشهر أغسطس. ويمثل هذا الرقم أكبر تراجع شهري تشهده السوق منذ 11 شهراً، مما يؤكد أن زخم الهبوط يتزايد بدلاً من أن يتباطأ.
لم يكن حال سوق إعادة البيع أفضل، بل كان أسوأ؛ حيث هوت الأسعار بنسبة 0.64%، مسجلة بذلك الانخفاض الأشد خلال عام كامل. هذه الأرقام لا تعكس مجرد تصحيح سعري، بل تشير إلى حالة من العزوف الجماعي من قبل المشترين المحتملين، الذين باتوا يخشون على قيمة مدخراتهم في قطاع كان يُعتبر تاريخياً الملاذ الآمن للاستثمار في الصين.
ركود يلقي بظلاله على الاقتصاد
يمثل هذا الركود الممتد في قطاع العقارات الصيني، والذي دخل عامه الرابع، عبئاً ثقيلاً على مجمل الاقتصاد الصيني. ويتزامن هذا التراجع مع توقعات بأن تظهر بيانات النمو للربع الثالث من العام تباطؤاً هو الأضعف خلال عام، مما يوضح مدى ارتباط صحة الاقتصاد الكلي باستقرار سوق الإسكان. إن استمرار انخفاض الأسعار يخلق حلقة مفرغة، حيث يحجم المشترون عن الشراء ترقباً لمزيد من الهبوط، مما يفاقم الأزمة ويؤدي إلى تآكل الثروات.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن المشكلة أعمق من مجرد عرض وطلب. فقد كتب كلفن لام، كبير الاقتصاديين الصينيين في “بانثيون ماكروإكونوميكس”، أن “سوق العقارات لا تزال في حالة ركود”، متوقعاً ألا تشهد الأسعار أي تعافٍ حقيقي قبل عام 2027. ويعود ذلك إلى الحاجة لخفض المخزونات الضخمة من الوحدات غير المباعة إلى مستويات مقبولة، وهي عملية قد تستغرق سنوات.
محاولات حكومية لإنقاذ السوق
في مواجهة هذا الواقع، لم تقف السلطات مكتوفة الأيدي. فقد قامت مدن كبرى مثل العاصمة بكين والمركز المالي شنغهاي بتخفيف قيود شراء المنازل في أغسطس الماضي، في خطوة كانت تعتبر غير واردة قبل سنوات. وشملت الإجراءات السماح للمقيمين المؤهلين بشراء عدد غير محدود من العقارات في الضواحي، وهي المناطق التي تمثل فيها مبيعات المنازل الجديدة نحو 70% من إجمالي المعاملات.
ولحقت بهما مدينة شنجن، مركز التكنولوجيا الصيني، بإجراءات مماثلة لدعم الطلب. لكن فشل هذه التسهيلات في تغيير مسار السوق حتى الآن، يكشف أن أزمة العقارات في الصين لم تعد أزمة سيولة أو قيود، بل تحولت إلى أزمة ثقة عميقة لدى المستهلك والمستثمر على حد سواء، وهو ما يتطلب حلولاً أكثر جذرية لاستعادة الاستقرار في سوق العقارات الصيني.









