تكنولوجيا

سباق الملاحة الكمومية.. هل اقتربت نهاية عصر الـ GPS؟

تقنية جديدة تهدد عرش GPS في ميادين القتال

محررة في قسم التكنولوجيا، تهتم بمتابعة أخبار الهواتف والتطبيقات الحديثة

في سماء أستراليا الهادئة، أقلعت طائرة صغيرة الشهر الماضي حاملةً على متنها ما قد يُشكّل بداية النهاية لعصر الاعتماد المطلق على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS). لم تكن مجرد رحلة تجريبية، بل كانت فصلاً جديداً في سباق تسلح صامت ومحتدم، فالمشهد العسكري العالمي لم يعد يحتمل ترف الاعتماد على تقنية يمكن إسكاتها بسهولة.

تهديد متصاعد

أصبحت الحرب في أوكرانيا مختبراً حياً لإظهار هشاشة الأنظمة الملاحية التقليدية. فعمليات التشويش والتزييف الروسية المتكررة لإشارات GPS لم تكن مجرد تكتيك عسكري، بل رسالة واضحة للعالم بأن التفوق التكنولوجي يعتمد على من يملك البديل. ويرى مراقبون أن هذا التهديد لا يقتصر على روسيا، فقائمة الخصوم المحتملين للولايات المتحدة، وعلى رأسها الصين وكوريا الشمالية، تمتلك قدرات مماثلة، مما يجعل تطوير وسائل ملاحة جديدة ضرورة استراتيجية لا رفاهية.

البديل الكمومي

الجهاز الذي حملته الطائرة الأسترالية، والذي تطوره شركة Q-CTRL الناشئة، يعتمد على فيزياء الكم بطريقة تبدو وكأنها من الخيال العلمي. ببساطة، يستخدم الجهاز أشعة ليزر موجهة إلى ذرات تتصرف كبوصلات فائقة الدقة، تقيس المجال المغناطيسي للأرض لحظياً. وبمقارنة هذه القراءات بخريطة مغناطيسية للأرض، يمكن تحديد الموقع بدقة، بعيداً عن أي إشارات فضائية يمكن التشويش عليها. إنها العودة إلى الطبيعة، ولكن بأدوات القرن الحادي والعشرين.

سباق تسلح

يصف راسل أندرسون، كبير العلماء في Q-CTRL، الوضع بحدة: “نحن نشهد نهاية الاعتماد الموثوق على GPS؛ إنه سباق تسلح حقيقي في مجال الملاحة”. هذا الشعور بالقلق هو ما يدفع وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) إلى ضخ استثمارات كبيرة في هذا المجال، حيث أطلقت وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة (DARPA) برنامجاً خاصاً لتعزيز متانة أجهزة الاستشعار الكمومية، التي رغم دقتها، لا تزال حساسة للغاية للاهتزازات والتشويش الكهرومغناطيسي في بيئات القتال القاسية.

ما وراء الخبر

تكمن المشكلة الأعمق في أن الجيش الأمريكي نفسه يدرك هذا القصور. فبحسب تود هاريسون، الباحث البارز في معهد “أمريكان إنتربرايز”، تأخر تمويل أجهزة الاستقبال الخاصة بإشارة GPS العسكرية الجديدة والمشفرة (M-code)، مما خلق فجوة ضعف. ويضيف هاريسون أن “المعارك المستقبلية ستدور بالكامل في بيئة يتنافس فيها الخصوم على التحكم بالمجال الكهرومغناطيسي”. هنا، لا تصبح التقنية الكمومية مجرد بديل، بل ورقة رابحة قد تغير ميزان القوى.

نتائج واعدة

في الاختبار الأخير، أظهر المستشعر الكمومي أداءً أفضل بعشر مرات على الأقل من أنظمة الملاحة بالقصور الذاتي (INS) التقليدية المستخدمة كبديل حالي. فعلى مسافة 80 ميلاً، قدّر الجهاز الموقع بهامش خطأ يبلغ حوالي 620 قدماً، والأهم أن هذا الخطأ لم يتزايد بمرور الوقت، وهي نقطة الضعف القاتلة في الأنظمة الحالية. لكن القصة لا تنتهي هنا، فنظام GPS، حين يعمل، لا يزال أدق بكثير، إذ يصل هامش الخطأ فيه إلى 16 قدماً فقط.

مستقبل الملاحة

رغم الإمكانيات الهائلة، لا تزال التحديات قائمة. فنجاح هذه التقنية يعتمد على توفر خرائط مغناطيسية محدثة ومفصلة للمناطق المستهدفة، بالإضافة إلى ضرورة خفض تكلفتها لتكون عملية للمسيرات الصغيرة التي غيرت وجه الحرب في أوكرانيا. وكما تقول أليسون كيلي، الأستاذة بجامعة سوينبرن للتكنولوجيا: “الفيزياء الكمومية توفر إمكانيات كبيرة، لكنها مثل أي جهاز استشعار آخر، لها نقاط قوة وضعف”. يبدو أن المستقبل لن يكون لحل واحد، بل لمزيج ذكي من التقنيات التي تضمن أن لا أحد سيعمل في الظلام مرة أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *