جهاز تنمية المشروعات: 22.7 مليار جنيه لدعم اقتصاد الشباب في مصر
كيف تدعم مصر اقتصاد الشباب بمليارات الجنيهات؟ قصة التحول من باحث عن وظيفة إلى رائد أعمال.

في خطوة تعكس رهانًا اقتصاديًا واضحًا على الطاقات الشابة، كشف جهاز تنمية المشروعات عن ضخ تمويلات ضخمة بلغت 22.7 مليار جنيه منذ عام 2022. هذا الرقم، الذي قد يبدو مجرد إحصائية، يمثل في جوهره قصة تحول لأكثر من مليون مصري ومصرية وجدوا في المشروعات الصغيرة فرصة حقيقية بدلاً من انتظار وظيفة تقليدية. ببساطة، هو استثمار في مستقبل الاقتصاد المصري.
أرقام ودلالات
أوضح باسل رحمي، الرئيس التنفيذي للجهاز، أن هذه التمويلات لم تكن مجرد أموال تُضخ في السوق، بل كانت موجهة بعناية فائقة. فقد ذهبت لتمويل ما يزيد عن 493 ألف مشروع في مختلف محافظات مصر، وهو ما يمثل شبكة واسعة من الأنشطة الاقتصادية التي تنبض بالحياة من أسوان إلى الإسكندرية. الأهم من ذلك، أن هذه المشروعات أتاحت أكثر من مليون فرصة عمل، وهو مؤشر مهم على قدرة هذا القطاع على امتصاص البطالة.
الشباب والمرأة أولًا
يكشف توزيع التمويلات عن فلسفة واضحة للدولة المصرية. فقد حصل الشباب والمرأة على 47% من إجمالي التمويل، وهي نسبة تحمل دلالة اجتماعية واقتصادية عميقة. يرى مراقبون أن هذا التوجه لا يهدف فقط إلى التمكين الاقتصادي، بل يسعى إلى خلق جيل جديد من رواد الأعمال قادر على الابتكار والمنافسة، وتغيير الخريطة الاقتصادية التقليدية التي اعتمدت طويلًا على الوظائف الحكومية.
ما وراء التمويل
لم يقتصر دور الجهاز على تقديم القروض، وهو ما يميز استراتيجيته الحالية. فبحسب رحمي، يعمل الجهاز على بناء “منظومة متكاملة” تشمل الدعم الفني والتدريب. فقد نُظم أكثر من 1600 برنامج تدريبي لرفع المهارات الإدارية والتسويقية لدى أصحاب المشروعات. هذا التحرك الذكي يعالج فجوة حقيقية بين التعليم الأكاديمي ومتطلبات السوق الفعلية، خاصة في ظل التطور التكنولوجي السريع.
تحفيز قانوني
يستند هذا الزخم إلى غطاء تشريعي قوي، متمثلًا في قانون تنمية المشروعات 152 لسنة 2020. يقدم القانون حزمة حوافز غير مسبوقة، مثل تخصيص نسبة تصل إلى 40% من المشتريات الحكومية لمنتجات هذه المشروعات، بالإضافة إلى حوافز ضريبية وجمركية. الهدف واضح: إزالة العقبات البيروقراطية ودمج هذه الكيانات الصغيرة في الاقتصاد الرسمي للدولة، وهو تحدٍ كبير لطالما واجه الاقتصاد المصري.
رؤية للمستقبل
يربط الجهاز أنشطته بشكل مباشر بـرؤية مصر 2030، حيث لا يُنظر إلى هذه المشروعات كحلول مؤقتة، بل كقاطرة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة. من خلال دعم المشروعات المبتكرة في مجالات مثل إعادة التدوير والخدمات الرقمية، يسهم الجهاز في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا ومرونة. ويأتي التعاون مع شركاء دوليين مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) والبنك الإفريقي للتنمية ليعزز من هذه الرؤية ويمنحها بعدًا عالميًا.
في المحصلة النهائية، تتجاوز جهود جهاز تنمية المشروعات فكرة تقديم الدعم المالي لتصبح مشروعًا وطنيًا لإعادة تشكيل العقلية الاقتصادية المصرية. إنه تحول هادئ من ثقافة “البحث عن وظيفة” إلى ثقافة “خلق فرصة عمل”، وهو التحول الذي قد يكون الأثر الأهم والأكثر استدامة على المدى الطويل.









