صحة

نبضات كهربائية خاطفة.. علماء يكشفون آلية تجميع أفكار الإنسان داخل الدماغ

دراسة في Nature Neuroscience ترصد تزامن التموجات العصبية عبر مناطق نائية في الدماغ

صحفي في قسم الصحة بمنصة النيل نيوز، يتابع التطورات الطبية ويعرضها بشكل موضوعي

تترابط الإشارات الكهربائية في مناطق متباعدة من الدماغ البشري عبر نوبات تزامن خاطفة تتيح تجميع تفاصيل المشاهد والأجسام في فكرة واحدة متكاملة.

وعلى الرغم من معالجة البيانات المختلفة—كالملامح والأسماء والأماكن—داخل مراكز عصبية منفصلة، يدمج العقل تلك المعطيات بسلاسة تجعل الإنسان يشعر بها كأنها وحدة فكرية غير تجزأة.

ورصد فريق بحثي آلية عصبيّة تفسّر كيفية تحقيق هذا الربط اللحظي بين الخبايا المتفرقة للذاكرة.

وتوصلت دراسة حديثة إلى أن المناطق النائية في الدماغ تدخل لبرهة قصيرة في الإيقاع الترددي نفسه أثناء حفظ المعلومات واسترجاعها، ما يزيد احتمالية إرسال خلاياها للإشارات بالتزامن، ويسهل دمج مكونات التفكير المنفصلة.

وكشفت النتائج الناشرة في دورية “Nature Neuroscience”، والتي قادها طبيب الأعصاب إيليا فيرزبينسكي وخبير العلوم العصبيّة إريك هالغريان من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، عن تحليل تسجيلات دماغية لـ 35 مريضاً يخضعون للمراقبة الطبية بسبب الصرع المقاوم للعلاج.

وكان الأطباء قد زرعوا أقطاباً كهربائية داخل أدمغة أولئك المرضى لأسباب علاجية، ما أتاح للباحثين فرصة رصد النشاط الكهربائي للخلايا العصبية الفردية أثناء إنجاز اختبار للذاكرة العاملة.

وعُرضت على المشاركين صورة واحدة أو ثلاث صور للتحقق من قدرة الذاكرة على حفظها لعدة ثوانٍ، قبل طلب تحديد ما إذا كانت هناك صورة جديدة جزءاً من المجموعات الأصلية.

تذبذبات التموج المتزامنة قد تدعم الاتصال بين مناطق الدماغ المتباعدة أثناء عمل الذاكرة العاملة. (إيليا فيرزبينسكي، أُنشئت بمساعدة Google Gemini)

وركز الفريق على تتبع دفقات خاطفة للغاية من النشاط الكهربائي تُعرف باسم “التموجات”.

وقال إيليا فيرزبينسكي لدورية “ScienceAlert”: “التموج هو دفقة قصيرة جداً من التذبذبات الإيقاعية في استثارة الخلايا العصبية، تبلغ سرعتها نحو 90 دورة في الثانية، ولا تستغرق سوى نحو عُشر الثانية”.

وبصياغة مبسطة، تنشط مجموعة صغيرة من الخلايا العصبية فجأة وتنطلق وفق الإيقاع السريع ذاته، قبل أن ينتهي الحدث بالكامل في لحظات خاطفة.

وعلى مدار 43 جلسة تسجيل، تابع الباحثون نشاط 1,373 خلية عصبية، واكتشفوا أن التموجات ظهرت في الوقت نفسه داخل منطقتين متباعدتين من الدماغ.

وعند حدوث هذا التزامن، ارتفعت احتمالية إرسال الإشارات العصبية المشتركة بين خلايا تلك المناطق بنسبة 30 بالمئة، بل وصلت الزيادة في بعض مراحل الاختبار إلى 49 بالمئة.

وتفسر هذه الظاهرة كيفية تجميع البيانات المخزنة في مواقع متفرقة داخل الدماغ لتتحول إلى تجربة حيوية واحدة.

ففي الوقت الذي تُعالج فيه الملامح في منطقة، والاسم في منطقة أخرى، ومكان اللقاء في موقع ثالث، يفتح الإيقاع الموحد خط اتصال مؤقتاً بين تلك المراكز لتعمل كفريق واحد.

وأضاف فيرزبينسكي: “تكمن أهمية ذلك في أن إطلاق الإشارات الموحد يمثل العملة الأساسية للدماغ لربط المعلومات المتفرقة”.

وكان المعطى الأكثر مفاجأة هو المدى المكاني الذي وصل إليه هذا التنسيق؛ إذ ربطت التموجات المشتركة بين مناطق تفصل بينها مسافات تصل إلى 220 ميليمتراً، بل وامتدت عبر نصفي الدماغ الكرويين.

وتكتسب مسافة 220 ميليمتراً أهمية استثنائية في التشريح العصبي البشري، إذ تشمل القشرة المخية بأكملها تقريباً من الفص الجبهي إلى الفص القذالي، وتتجاوز المسارات العصبية المباشرة المعتادة بين التلافيف المجاورة.

وفي الحالات الاعتيادية، تقل الروابط المباشرة بين المناطق الدماغية كلما زادت المسافة الفاصلة بينها. ولو اعتمدت التموجات على التوصيل السلكي المباشر فقط، لضعف تنسيقها عبر المسافات الطويلة، وهو ما لم يحدث.

وتشير المعطيات إلى أن التنسيق لا يتطلب منطقة دماغية واحدة تعمل كـ “مايسترو” أو موجه مركزي، بل تشبه الظاهرة جمهوراً يبدأ بالتصفيق التدريجي على الإيقاع نفسه دون تعليمات خارجية.

وازدادت كثافة هذا الإيقاع كلما أصبحت مهمة الذاكرة أكثر تعقيداً؛ فعندما حفظ المشاركون ثلاث صور بدلاً من واحدة، ارتفع إرسال الإشارات المتناسق بنسبة 13 بالمئة أثناء احتفاظهم بالصور في أذهانهم، وبنسبة 19 بالمئة عند محاولتهم التعرف على إحداها.

كما أظهرت الخلايا التي أطلقت إشارات متزامنة عند رؤية الصورة للمرة الأولى ميلاً لتكرار النمط نفسه عند ظهور الصورة مجدداً، ويميل المشاركون إلى التعرّف على الصور بسرعة أكبر عند تكرار النمط.

وكانت أبحاث سابقة قد ربطت بين تموجات مماثلة وإعادة تشغيل الذكريات وتخزينها، حيث أظهرت دراسة حديثة غطتها “ScienceAlert” أن جلسة تمرين رياضي واحدة قد تعدل التموجات المرتبطة بالذاكرة في الدماغ البشري.

وتوضح الاكتشافات الجديدة أن هذه الإيقاعات الخاطفة تساهم أيضاً في تماسك الفكرة أثناء استخدامها الفعلي في الذاكرة العاملة.

غير أن الدراسة لا تثبت أن التموجات هي المسبب المباشر للسرعة في التعرف على الصور، حيث اقتصر الباحثون على مراقبة الإشارات دون التحكم في تشغيلها أو إيقافها لتقييم التغير المباشر في أداء الذاكرة.

كما عانى جميع المشاركين من حالات صرع حادة، ووُضعت الأقطاب الكهربائية وفقاً للاحتياجات الطبية لكل مريض، ما حصر الدراسة في مناطق معينة من الدماغ واختبار نوع واحد من مهام الذاكرة.

وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى نجاح العلماء في بناء نماذج عصبية مصغرة قادرة على التفاعل مع الوقت.

وأوضح فيرزبينسكي أنه من المبكر اعتبار هذه الإشارات هدفاً علاجياً للحالات التي تؤثر على الذاكرة أو التفكير، مشدداً على ضرورة تحقق الباحثين أولاً مما إذا كانت الأدمغة السليمة تظهر النشاط نفسه، ومراقبة ما إذا كان تعطيل الإشارات يغير قدرات الذاكرة.

ويتطلب الانتقال بهذه النتائج إلى التطبيق السريري إجراء تجارب إضافية تعزل المتغيرات المرضية لدى المصابين بالصرع، واختبار استجابة الشبكات العصبية غير المصابة تحت ظروف إدراكية متنوعة.

ونُشرت نتائج البحث تفصيلياً في مجلة “Nature Neuroscience”.

وقامت ريبيكا داير بمراجعة وتدقيق حقائق هذا المقال وتحريره.

مقالات ذات صلة