صحة

دراسة على 7700 موظف تقلب معادلة العودة إلى المكتب وتكشف مفاجأة عن العمل عن بُعد

مسح لمؤسسة أمريكية يكشف تفوق العمل المنزلي في الرفاهية والاستقرار

محررة في قسم الصحة، تهتم بتغطية القضايا المتعلقة بالغذاء والوقاية وأسلوب الحياة الصحي

أظهرت مسوح شملت أكثر من 7700 موظف في مؤسسة صحية أمريكية كبرى أن العاملين في نظام العمل عن بُعد يملكون معدلات رفاهية أعلى واستقرارًا وظيفيًا أكبر مقارنة بنظرائهم الميدانيين، ما يضع الفرضية المؤسسية السائدة حول تراجع إنتاجية ونفسية أصحاب العمل المنزلي أمام اختبار علمي مباشر.

ويأتي ذلك عقب فترة شهدت تنامي القناعة لدى إدارات الشركات بأن انحسار الجائحة يتطلب إنهاء نمط العمل عن بُعد، بدعوى أنه يضعف التعاون الوثيق بين فرق العمل، ويزيد من مشاعر العزلة والتأثير السلبي على الصحة النفسية للموظفين.

غير أن نتائج البحث الجديد المنسوب لدورية فرونتيرز إن سايكولوجي تشير إلى عكس ذلك تمامًا، عبر تحليل استبيانات دقيقة لموظفين ينتمون لمؤسسة صحية في جنوب غرب الولايات المتحدة.

وتوزعت العينات المدروسة بين موظفين يعملون بالكامل عن بُعد، وآخرين بالموقع الميداني، وفئة ثالثة تعتمد النظام الهجين، لترصد النتائج ارتباطًا وثيقًا بين العمل المنزلي وارتفاع مستويات الرفاهية والشعور بالرضا، فضلاً عن البقاء في الوظيفة لفترات أطول.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة في وقت تواجه فيه الكوادر ضغوطًا متزايدة لإعادتها إلى المقرات الإدارية، بعدما وصفت جهات عدة العمل عن بُعد بأنه مجرد امتياز استثنائي ارتبط بظروف كورونا.

وتجدر الإشارة إلى أن قطاع الرعاية الصحية في الولايات المتحدة واجه خلال الأعوام الأخيرة معدلات دوران عمل مرتفعة وكلفة استقطاب متزايدة، مما يجعل المحافظة على الكفاءات واستقرارها النفسي أولوية تشغيلية واقتصادية مباشرة للمؤسسات.

وقالت الأخصائية النفسية التنظيمية والمشارِكة في الدراسة، ستيفاني جونسون من جامعة كولورادو بولدر: “تشير هذه المعطيات إلى ضرورة منح الأفراد خيار العمل عن بُعد إذا كانوا يرغبون في ذلك”.

وأضافت جونسون: “سلب خيار تحديد طريقة العمل من الموظفين لن يخدم مستويات رفاهيتهم النفسية بحال”.

وتضمن الاستبيان المجموع عام 2023 أسئلة تقيس تقييم العاملين العام لرفاهيتهم في بيئة العمل.

كما طُلب من المشاركين توصيف ثقافة بيئتهم عبر ثلاث إلى خمس كلمات، حيث صنف الباحثون المفردات المعبّرة عن الترابط الإيجابي، مثل الشمولية، والوحدة، والرعاية، والتعاون.

وحقق العاملون عن بُعد المستوى الأعلى في تقييم الرفاهية برصيد 4.22 نقطة من أصل 5 نقاط، متفوقين على أصحاب العمل الهجين (4.12) والعاملين من المقرات (3.89).

وجاءت هذه النتيجة على عكس التوقعات المعيارية التي كانت ترجح كفة النموذج الهجين بوصفه يجمع بين ميزتين.

وتعلق جونسون على ذلك بقولها: “كنت أعتقد أن الجمع بين العمل الميداني والمنزلي يحقق أعلى درجات الرضا، لكونه يتيح التفاعل البشري المباشر بين الحين والآخر”.

أما على صعيد التلاحم الوظيفي، فقد سجل العاملون عن بُعد نسبة أعلى في التعبير الإيجابي (0.61) مقارنة بالهجين (0.58) والميداني (0.55)، ورغم أن الفارق لم يصل لمستوى الدلالة الإحصائية القاطعة بحسب حجم العينة، إلا أنه يضعف الادعاء بأن العمل عن بعد يعطل التواصل المؤسسي.

وكتب مؤلفو الدراسة: “أظهر الموظفون عن بُعد في عينتنا معدل تلاحم إيجابي أعلى قليلاً مقارنة بنظرائهم، ما يدل على أن العمل من المنزل لا يرتبط بالضرورة بتراجع التماسك والتعاون”.

وأضاف الباحثون: “تدفع هذه النتائج نحو فهم أكثر دقة لبيئة العمل، حيث يتشكل التواصل من خلال ممارسات التفاعل المقصودة وليس مجرد التواجد الجغرافي”.

وعكست معدلات ترك العمل النمط ذاته؛ إذ غادر المؤسسة 7.8% فقط من العاملين عن بُعد بعد عام، مقارنة بـ 8.3% للعمل الهجين و8.8% للعاملين ميدانيًا.

وعلى الرغم من أن حجم هذا الأثر لم يُصنف كدلالة إحصائية حاسمة، إلا أن البيانات أظهرت ارتباطًا إحصائيًا مثبتًا بين ارتفاع الرفاهية وانخفاض معدل دوران الموظفين.

ولا توفر هذه النتائج حسماً نهائياً للسجال القائم حول نجاعة العمل المكتبي في مقابل المنزلي.

لكن الباحثين يأملون أن تتكامل أرقامهم مع النقاشات الجارية، بالنظر إلى تقديمها منظورًا أكثر إيجابية للعمل المنزلي داخل بعض القطاعات.

ويؤكد فريق البحث أن أهمية هذه النتائج تتضاعف في ظل تخبط السياسات الإدارية بشأن العودة القسرية، داعين متخذي القرار إلى إخضاع قرارات الإلزام المكتبي لمؤشرات بيانية دقيقة بدلاً من الاعتماد على افتراضات غير مختبرة تجسد انقطاعاً عن تطلعات القوى العاملة.

مقالات ذات صلة