مؤشرات مبكرة في عيادات النساء تكشف مخاطر نوبات القلب قبل سنوات من حدوثها
دراسة تشرح العلاقة بين الاضطرابات الهرمونية والإنجابية وأمراض الأوعية الدموية

تتيح العيادات النسائية فرصة غير مستغلة للتقصي المبكر عن أمراض القلب والأوعية الدموية لدى النساء، حيث يوفر التاريخ الصحي للإنجاب دلالات مبكرة حول مدى عرضة المرأة للاعتلالات الوعائية قبل ظهور أعراضها الشائعة بفترة طويلة.
وتأتي هذه الرؤية لتعزز التوجه الداعي إلى الجمع بين فحوصات الجهاز التناسلي وتقييم صحة القلب في منصة طبية واحدة.
وتصنف أمراض القلب والأوعية الدموية كسبب رئيسي للوفيات بين النساء على مستوى العالم. وعلى مدى عقود، ثبت وجود صلة وثيقة بين صحة القلب والمشكلات العيادية النسائية.
وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن الأمراض القلبية تُسفر عن وفاة امرأة من بين كل ثلاث نساء سنوياً، مما يجعله خطراً يفكك الاعتقاد السائد بتركيز أمراض الشرايين على الرجال فقط.
ويستطيع التاريخ الصحي للإنجاب تقديم بعض المؤشرات الأولية على ارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب؛ مما يضع أطباء النساء والتوليد في موقع مناسب لاكتشافها.
وتجمع ورقة مراجعة بحثية جديدة جرت ونُشرت في مجلة “ماثوريتاس” هذه الخيوط المتعددة، متناولة طبيعة الروابط بين صحة القلب والصحة الإنجابية، ومستعرضة ثلاثة برامج صحية فرنسية توضح آلية التكامل بين المجالين.
وتتشارك النساء مع الرجال في العديد من عوامل الخطر التقليدية لأمراض القلب، بما في ذلك ارتفاع ضغط الدم، والسكري، والتدخين، وارتفاع الكوليسترول.
لكن النساء يمتلكن أيضاً مجموعة من عوامل الخطر الخاصة التي لا توجد لدى الرجال، وتستطيع بعض تلك المؤشرات الظهور قبل أعوام أو عقود من حدوث النوبة القلبية أو السكتة الدماغية.
وعلى سبيل المثال، يمكن أن يعمل الحمل كنوع من اختبار الإجهاد القلبي الوعائي.
وذكر الباحثون في المراجعة أن الأبحاث السابقة تُؤكد وجود ارتباط قوي بين تسمم الحمل، وارتفاع ضغط الدم الحملي، والولادة المبكرة، وسكري الحمل، وزيادة خطر الإصابة اللاحقة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
كما تقدم حالات أخرى مؤشرات مماثلة؛ فمتلازمة المبيض المتبقي أو التكيس (PMOS) هي اضطراب في الغدد الصماء يتضمن مشكلات استقلابية كارتفاع الكوليسترول. وأظهر تحليل شامل شمل أكثر من مليون امرأة زيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب لدى المصابات بهذه المتلازمة.
ويبدو أيضاً أن بطانة الرحم المهاجرة ترتبط بصحة القلب. إذ يصيب هذا المرض المزمن نحو 10% من النساء في سن الإنجاب، و his connection بالالتهابات وتراكم اللويحات الدهنية في الشرايين. وتلفت المراجعة إلى أدلة تربط بين هذا المرض وزيادة مخاطر السكتة الدماغية والنوبات القلبية.
وتواجه المصابات بالصداع النصفي المرفوق بالهالة مخاطر مضاعفة للإصابة بالسكتة الدماغية الإقفارية، إلى جانب ارتفاع خطر النوبة القلبية. كما يظهر تداخل بين الصداع النصفي وبطانة الرحم المهاجرة.
ثم هناك مرحلة انقطاع الطمث.
فالنساء اللاتي يدخلن مرحلة انقطاع الطمث قبل سن 45 عاماً يتأثرن بمخاطر قلبية أعلى بشكل ملحوظ، لا سيما في حالات انقطاع الطمث الطبيعي المبكر أو الناتج عن جراحة استئصال المبيضين. وتبرز المراجعة أبحاثاً ترجح أن الهبات الساخنة الشديدة أو المتكررة قد ترتبط بذاتها بالمخاطر القلبية.
ويُرجع أطباء الأوعية الدموية هذا الترابط إلى التراجع الحاد في هرمون الاستروجين خلال هذه المرحلة، وهو الهرمون الذي يساهم في الحفاظ على مرونة الأوعية الدموية وتنظيم الدهون في الدم.
وبناءً على هذه التشابكات الواضحة، يبدو من المنطقي اعتبار عيادة طبيب النساء مكاناً لالتقاط علامات الإنذار لأمراض القلب.
وتقدم ثلاثة برامج فرنسية وردت في المراجعة لمحة عما يمكن أن يبدو عليه هذا النموذج.
ففي أحد مستشفيات باريس، عُرض تقييم قلبي على نساء يراجعن الرعاية النسائية بسبب قصور المبيض المبكر، أو مرحلة ما قبل انقطاع الطمث، أو الانقطاع الفعلي.
ومن بين 197 امرأة، جرى تشخيص 34% منهن لأول مرة بمرض ارتفاع ضغط الدم، أو السكري، أو اضطراب دهنيات الدم. واحتاج أكثر من نصف النساء اللاتي كن يعانين سابقاً من ضغط الدم إلى تعديل العلاج، وهو ما انطبق على نصف المصابات باضطراب الدهون.
وإجمالاً، تلقت 58% من النساء إما تشخيصاً جديداً لعامل خطر قلبي رئيسي أو احتجن إلى تغيير العلاج القائم، رغم أنهن لم يسجلن أي حادثة قلبية سابقة.
وأظهر برنامج ثانٍ في مركز لانقطاع الطمث في تولوز أن 70% من بين أكثر من 1000 امرأة تراوحت أعمارهن بين 45 و60 عاماً يمتلكن عامل خطر قلبي واحد على الأقل، بينما حملت 35% منهن عاملين أو أكثر.
ويرى مؤلفو المراجعة أن مرحلة ما قبل انقطاع الطمث والانقطاع الفعلي تمثل نافذة مفيدة لفحص صحة القلب، نظراً لإقبال النساء على الرعاية في هذا السن الذي تتزايد فيه عوامل الخطر.
وفي هذا الصدد، كانت حافلة “قلب النساء” قد تجولت في فرنسا لأكثر من عام منذ أواخر 2021 لتقديم الفحوصات النسائية والقلبية. وتبين من بين 4300 مشاركة أن 90% منهن يمتلكن أكثر من عاملي خطر قلبي أو استقلابي، رغم أن 70% منهن لم يخضعن لأي متابعة قلبية سابقة.
وبالطبع، لا يعني كل صداع نصفي أو حمل صعب أو هبة ساخنة حتمية الإصابة بمرض القلب، إذ تظل هذه الظواهر مؤشرات خطر وليس تنبؤات حتمية.
وتجتمع هذه الأدلة لتؤكد على أهمية إنهاء العزلة التاريخية بين طب النساء وطب القلب، وتفعيل الفحوصات المزدوجة لحماية صحة المرأة.








