صحة

نتائج أول برنامج أمريكي لتقنين الفطر السحري: تحسن حاد في أعراض الاكتئاب والصدمة لدى المئات

دراسة ميدانية ترصد تحسنًا واسعًا في الصحة النفسية خارج نطاق التجارب السريرية

صحفي في قسم الصحة بمنصة النيل نيوز، يتابع التطورات الطبية ويعرضها بشكل موضوعي

أظهرت نتائج دراسة ميدانية قيادتها جامعة أوريغون للصحة والعلوم أن أول برنامج حكومي منظم لاستخدام مادة “السيلوسيبين” في الولايات المتحدة حقق انخفاضًا حادًا في أعراض الاضطرابات النفسية لدى غالبية المشاركين خارج نطاق التجارب السريرية المحكومة.

وتوفر هذه المعطيات الأولية مسارًا جديدًا للأفراد الذين يعانون من حالات مثل اضطراب ما بعد الصدمة والقلق والاكتئاب، ممن لم تحقق معهم الطرق العلاجية التقليدية نتائج ملموسة.

وكانت مادة “السيلوسيبين”، وهي مركب مخدر يوجد في أنواع من الفطر، قد ظلت لتسعة عقود تصنف كعقار حظر إرشادي غير قانوني قبل بدء تقنينها في الولاية.

وتتبع فريق البحث، بين نوفمبر 2024 وحزيران/يونيو 2026، نحو 346 مشاركًا في البرنامج الحكومي؛ وسجل الباحثون تحسنًا ملحوظًا في مؤشرات الصحة النفسية ومستوى الرضا عن الحياة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من تلقي الجرعة.

وبعد شهر واحد من تناول المادة، أكد 92.2% من المشاركين أن التجربة كانت مفيدة، بالتوازي مع تراجع حاد في المتوسط العام للأعراض النفسية.

وقالت عالمة الأعصاب أدريان ر. ويلسون-بوي، المدير المشارك لشبكة “أوبن” (OPEN) والباحثة في معهد ليغاسي للبحوث: “سيتم الاستشهاد بهذه الورقة البحثية لعقود قادمة”.

وأضافت ويلسون-بوي: “هذه أول دراسة واسعة النطاق تراقب سلامة وأعراض الصحة النفسية لأشخاص حقيقيين في بيئة الواقع الفعلي”.

تعتمد مادة السيلوسيبين في تأثيرها العصبي على تنشيط مستقبلات السيروتونين من نوع (5-HT2A) في الدماغ، مما يعزز ما يُعرف بالمرونة العصبية ويسمح بتفكيك المسارات الذهنية النمطية المرتبطة بالاكتئاب المزمن والترومات النفسية.

وتسجل الولايات المتحدة إصابة عشرات الملايين بالاضطرابات النفسية؛ ففي عام 2024، أبلغ نحو 23% من البالغين الأمريكيين عن تعرضهم لأعراض مرض نفسي خلال العام السابق، غير أن نصف هذه الفئة فقط تلقى رعاية علاجية.

ودفعت هذه الفجوة العلماء إلى تقييم بدائل أخرى مثل السيلوسيبين، حيث أظهرت التجارب السريرية على مدى العقد الماضي قدرة هذا المركب على تخفيف الأعراض، لا سيما لدى الحالات المستعصية على العلاجات التقليدية.

غير أن التجارب السريرية تجري عادة في بيئات محكمة وضوابط صارمة للغاية.

أما نموذج ولاية أوريغون فيقدم إطارًا مختلفًا كليًا.

ويعود الإطار القانوني لهذه الممارسة إلى التشريع المحلي الصادر عام 2020 والذي دخل حيز التنفيذ الفعلي في منتصف عام 2023، حيث سمح للولايات بالابتعاد عن النموذج الطبي المتخصص ونقل المواد المهلوسة إلى بيئة بيع وتنظيم مدني.

ويتيح البرنامج، منذ افتتاحه في منتصف عام 2023، لجميع البالغين من سن 21 عامًا فما فوق المشاركة لأي سبب كان، باستخدام منتجات مشتقة من الفطر الطبيعي، ودون اشتراط تدريب سريري طبي للموجهين المشرفين على الجلسات.

وركز الباحثون في دراستهم على قياس الآثار الناجمة عن نقل السيلوسيبين من الممارسة المختبرية المحدودة إلى الاستخدام الجماهيري العام.

وقامت شبكة “أوبن” (OPEN) بتجنيد 346 عميلًا يتوزعون على 24 مركز خدمة مرخصًا في أوريغون لتقييم النتائج ومستويات الأمان.

وتلقى كل مشارك جرعة موجهة من السيلوسيبين بمتوسط 31.9 مليغرام (بتفاوت تراوح بين 2 و50 مليغرام)، خضعوا قبلها لجلسات تحضيرية وإشراف مباشر أثناء تناول الجرعة، مع إتاحة جلسات إدماج لاحقة.

كما أكمل المشاركون استبيانات لقياس التغيرات في الأعراض والرضا عن الحياة قبل تناول الجرعة وفي محطات زمنية متعددة امتدت إلى 3 أشهر.

وجاءت النتائج الرقمية محددة في قياس التحسن.

فبعد ثلاثة أشهر، انخفضت نسبة المشاركين الذين يعانون من أعراض متوسطة إلى شديدة لاضطراب ما بعد الصدمة من 48% إلى 16.8%. وتراجعت نسبة القلق المتوسط إلى الشديد من 45.1% إلى 13.2%، في حين انخفضت نسبة الاكتئاب المتوسط إلى الشديد من 42.2% إلى 16.5%.

في المقابل، ارتفع معدل الرضا عن الحياة بين أفراد العينة من 63% إلى 82.3%.

لكن البيانات رصدت في الوقت ذاته حالات استجابة حادة؛ حيث عانى أربعة مشاركين — يمثلون 1.2% من العينة — من ردود فعل سلوكية خطيرة تطلبت تدخلاً طبياً.

وأظهرت التفاصيل أن أحد المشاركين أصيب بحالة عنف ونُقل إلى المستشفى، فيما أبلغ مشارك ثاني عن زيارة لغرفة الطوارئ مع تفاقم حدة القلق والاكتئاب وظهور أفكار لإيذاء النفس.

ورسخ المشارك الثالث زيارة للطوارئ وتراجعًا في حالته النفسية والقلق.

أما المشارك الرابع فسجل حالة قلق حاد وأرق تطلبت علاجًا دوائيًا، مع استمرار تفاقم القلق والاكتئاب وأفكار إيذاء النفس خلال فترة الأشهر الثلاثة.

وكان المشاركون الأربعة جميعهم بلا تجربة سابقة مع المواد المهلوسة، وكانوا يعانون من أعراض سابقة للاكتئاب أو القلق أو اضطراب ما بعد الصدمة، كما تلقوا جرعات عالية تراوحت بين 25 و50 مليغرام.

ويرجح الباحثون أن نقص الخبرة بالمهلوسات، والهشاشة النفسية المرتفعة، والجرعات العالية قد تزيد من احتمالية حدوث ردود فعل حادة، رغم أن تسجيل أربع حالات لا يكفي علميًا لإثبات علاقة سببية جازمة.

وتواجه الدراسة قيودًا منهجية؛ إذ لا يمكن لكونها دراسة ميدانية إثبات أن السيلوسيبين هو المسبب المباشر للتحسن لعدم وجود مجموعة شواهد معيارية، فضلاً عن أن المشاركين اختاروا الخدمة طواعية، وأن العينة مثلت نحو 5% فقط من إجمالي عملاء البرنامج في أوريغون، وكان معظمهم من البيض وميسوري الحال.

ورغم ذلك، فإن نطاق تطبيق الخدمة في أوريغون يتجاوز حجم هذه العينة بشكل واسع.

فقد تلقى أكثر من 20,000 شخص خدمات السيلوسيبين المنظمة في الولاية منذ عام 2023 — وهو رقم يفوق بستة أضعاف إجمالي أعداد المشاركين في كافة التجارب السريرية للمهلوسات الكلاسيكية المنشورة منذ عام 1951.

ويرى تود كورثويس، قائد فريق البحث من جامعة أوريغون للصحة والعلوم، أن المعطيات تشير إلى إمكانية انتقال الفوائد الملاحظة في المختبرات إلى الواقع الميداني، مع التأكيد على أن المادة تحمل مخاطر ولا تناسب الجميع، مما يتطلب استشارة طبية متخصصة قبل الإقدام عليها.

وتستمر المتابعة العلمية لهذه التجربة بعد نشر النتائج التفصيلية في مجلة “JAMA Network Open”، والتي أظهرت أن تقديم الخدمات خارج الأطر الطبية التقليدية يعطي إشارات إيجابية على التحسن النفسي، بالتوازي مع استمرار تقييم أمان الجرعات لضمان سلامة المستفيدين.

مقالات ذات صلة