اقتصاد

البنك المركزي المصري يثبت أسعار الفائدة لتقييم مسار التضخم واستقرار الجنيه

المركزي المصري يبقي على أسعار الفائدة دون تغيير لتقييم تداعيات التضخم واستقرار سعر الصرف

محررة اقتصادية في منصة النيل نيوز، متخصصة في رصد المؤشرات الاقتصادية وصياغتها بلغة واضحة للجمهور

أبقى البنك المركزي المصري على أسعار الفائدة الأساسية دون تغيير في اجتماع لجنة السياسة النقدية اليوم، مفضلاً التريث لمراقبة مسار التضخم، حيث استقرت أسعار العائد عند مستوى 19% للإيداع، و20% للإقراض، و19.50% لسعر العملية الرئيسية وسعر الائتمان والخصم.

وتأتي هذه المستويات التاريخية لأسعار الفائدة بعد سلسلة من التشديد النقدي العنيف نفذها البنك المركزي المصري، كان أبرزها رفع الفائدة بمقدار 600 نقطة أساس دفعة واحدة في مارس الماضي بالتزامن مع تحرير سعر صرف الجنيه، بهدف احتواء الضغوط التضخمية الناتجة عن شح النقد الأجنبي.

وتعليقاً على القرار، ذكر الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد نعماني أن تثبيت الفائدة يعكس رؤية نقدية ترتكز على التوازن والحذر خلال المرحلة الراهنة، خاصة مع تحسن معدلات التضخم مؤخراً، بالتزامن مع استمرار ضغوط سعرية تحتم عدم التسرع في خفض الفائدة.

وأردف نعماني أن هذا التثبيت لا يشير بالضرورة إلى تبني البنك المركزي لسياسة نقدية أكثر انكماشاً، بل يهدف إلى منح الاقتصاد الوقت الكافي لتقييم تداعيات قرارات خفض الفائدة السابقة، والتأكد من أن تراجع معدلات التضخم يمثل اتجاهاً مستداماً وليس مجرد تحسن عابر.

التضخم.. العامل الرئيسي في قرار اليوم

وبين الخبير الاقتصادي أن التضخم يظل المحدد الأساسي لتوجهات السياسة النقدية حالياً، مشيراً إلى أنه على الرغم من الهبوط الملحوظ مقارنة بالمستويات القياسية التي سجلها الاقتصاد المصري في السنوات الأخيرة، فإن بقاء التضخم عند مستويات مرتفعة نسبياً مع تسجيل بعض الارتفاعات الطفيفة مؤخراً يبرر قرار التريث.

وتابع أن البنك المركزي لا يقصر تقييمه على معدل التضخم الآني فقط، بل يركز على الاتجاهات المستقبلية ومدى استدامة هذا الهبوط، إلى جانب رصد حركة أسعار السلع والخدمات، وسعر الصرف، ومستويات السيولة، وحجم الطلب المحلي.

وأوضح أن تثبيت الفائدة يعمل كأداة وقائية للحفاظ على استقرار الأوضاع النقدية، ويحول دون ارتداد الضغوط التضخمية مجدداً قبل أن تترسخ مكتسبات دورة التيسير النقدي السابقة.

استقرار الجنيه.. جزء أساسي من المعادلة

ولفت نعماني إلى الارتباط الوثيق بين قرار التثبيت ورغبة البنك المركزي في تأمين استقرار سوق الصرف، مؤكداً أن حماية الجنيه ليست هدفاً معزولاً عن جهود كبح التضخم، بل تمثل قناة حيوية للتأثير فيه، لا سيما في اقتصاد يعتمد بشدة على السلع والمدخلات المستوردة، وهو ما يجعل الحفاظ على جاذبية العملة المحلية عبر عوائد حقيقية موجبة ركيزة لدعم الاستقرار النقدي والحد من انتقال صدمات سعر الصرف إلى الأسعار المحلية.

وتتحرك مصر تدريجياً نحو تحقيق أسعار فائدة حقيقية موجبة (أي عندما يتجاوز سعر الفائدة الاسمي معدل التضخم السنوي)، وهو معيار رئيسي يراقبه صندوق النقد الدولي ضمن برنامجه التمويلي مع القاهرة لضمان استعادة الثقة في العملة المحلية وجذب التدفقات النقدية.

ماذا عن النمو والاستثمار؟

وأقر الخبير بأن استمرار الفائدة المرتفعة يزيد من تكلفة الاقتراض والتمويل الاستثماري، مما يضع أعباءً إضافية على بعض القطاعات الاقتصادية، مستدركاً بأن استقرار الأسعار وسعر الصرف يظلان الشرطين الأساسيين لتحقيق نمو مستدام، حيث يحتاج المستثمرون لبيئة واضحة تتيح لهم تقدير تكاليف التمويل والإنتاج والعوائد بدقة.

واستطرد قائلاً إن البنك المركزي يبدو حريصاً في هذه المرحلة على إعطاء الأولوية لتثبيت الاستقرار الهيكلي للاقتصاد أولاً، مما يمهد الطريق لاحقاً لخفض الفائدة بشكل آمن ومستدام.

هل انتهت دورة خفض الفائدة؟

ونبه نعماني إلى أن قرار التثبيت لا يعني نهاية مسار التيسير النقدي، بل هو بمثابة فترة ترقب وإعادة تقييم للمؤشرات قبل الإقدام على التحرك المقبل.

وشرح أنه في حال أكدت البيانات الاقتصادية القادمة تواصل هبوط التضخم وتحسن التوقعات واستقرار سوق الصرف وتدفقات النقد الأجنبي، فإن ذلك سيمنح المركزي مساحة لاستئناف خفض الفائدة في الاجتماعات المقبلة، بينما قد يؤدي ظهور أي ضغوط تضخمية جديدة إلى تمديد فترة التثبيت الحالية.

قراءة اقتصادية لقرار اليوم

وشدد نعماني على أن قرار لجنة السياسة النقدية يعبر عن إدارة متوازنة لمعادلة بالغة الحساسية تجمع بين كبح التضخم، واستقرار سعر الصرف، وحماية القوة الشرائية، وتعزيز جاذبية الجنيه، ودعم النمو المستدام.

وخلص إلى أن التثبيت لا يجب تصنيفه كإجراء معوق للنمو، بل كخطوة مدروسة لتحييد مخاطر التضخم وتأمين الاستقرار الاقتصادي، لتهيئة مناخ أكثر ملاءمة للاستثمار والنمو مستقبلاً، مؤكداً أن كفاءة السياسة النقدية تقاس بقدرتها على اختيار التوقيت الدقيق للتحول بين الرفع والخفض.

وينتهي قرار البنك المركزي اليوم بتبني استراتيجية تفضل التريث واشتراط قراءة البيانات الاقتصادية بدقة قبل مواصلة التيسير النقدي، بهدف حماية المكتسبات التي حققها النظام المصرفي والنقدي، وضمان انتقال الاقتصاد المصري تدريجياً إلى مرحلة توازن مستدامة بين السيطرة على الأسعار وتحفيز الاستثمار.

مقالات ذات صلة