لغز الـ 1254 صفحة.. فنانة كورية تطارد ‘الثقوب الإلهية’ بين طقوس الأجداد وخوارزميات الذكاء الاصطناعي
بين القبور الفارغة والذكاء الاصطناعي: رحلة إيم يونغزو في البحث عن اليقين الرقمي

تتحرك ظلال باهتة لامرأة غير مرئية فوق أسفلت جاف، في مشهد بصري يعيد تعريف “النقطة العمياء” التي تخلفها كاميرات الواقع الافتراضي، وهو ما استعرضته الفنانة الكورية إيم يونغزو في معرضها الفردي “The Late” المقام في مساحة “Space ZeroOne” ببروكلين حتى 25 يوليو. وتعتمد يونغزو في معالجتها الفنية على توظيف تقنيات تصوير مخصصة لبيئات VR، لكنها تختار عمداً التركيز على المركز الذي يتم حذفه عادةً أثناء التحرير، محولةً هذا الفراغ البصري إلى تساؤل فلسفي حول ما إذا كان الثقب الفارغ يمثل “الألوهية” أم مجرد “عدم”.
يربط المعرض بين طقوس “غاميو” (gamyo)، وهي القبور الفارغة في الفلكلور الكوري، وبين المقابر الافتراضية وأنظمة الاعتقاد الناشئة حول تقنيات الـ NFTs والذكاء الاصطناعي، وفقاً لما نقله نقاد فنيون عن فلسفة العمل. وتتوسط القاعة نسخة ضخمة من كتاب يحمل اسم المعرض نفسه، يمتد على 1254 صفحة، ويمثل حصيلة 10 سنوات من البحث التجريبي في تلاقي الطقوس الدينية مع اليقين التكنولوجي.
تظهر في المعرض قطعة نحتية بعنوان “Orientation” (2025/2026)، وهي عبارة عن كتلة خشبية محفور عليها لوحة “غو” (Go)، يعلوها بوصلة تتأرجح عقاربها بعشوائية فوق السطح بنحو بوصتين. وتشير أدبيات المعرض إلى أن لوحة “غو” تمثل “كوناً مصغراً” نظراً لأن احتمالات التموضع فيها تتجاوز عدد الذرات في الكون، وهو ما يستدعي ذكرى المواجهة التاريخية في مارس 2016، حين خسر بطل العالم الكوري لي سيدول أمام برنامج “ألفا غو” (AlphaGo) التابع لشركة غوغل، وهي اللحظة التي شكلت صدمة ثقافية في كوريا الجنوبية وأعادت صياغة علاقة الإنسان بالخوارزمية.
تدمج يونغزو ما تسميه “البحث الخيالي” (ficto-research) في سردها، حيث تمزج بين دراسات الأنثروبولوجيا وقصص الخيال العلمي، مستشهدة بنظريات مثل “Dead Media Theory” للكاتب بروس ستيرلينغ. ويتضمن الكتاب هوامش تفصيلية تتناول دور الطيور في الشامانية الكورية، وقصائد عن مفهوم “الباردو” (الباردو) في البوذية التبتية، وهو الحالة الانتقالية بين الموت والولادة الجديدة، مما يضفي صبغة روحية على التشتت الرقمي الذي يعيشه المشاهد داخل المعرض.
يعود هذا الهوس بالبحث عن اليقين إلى تجربة شخصية قاسية مرت بها الفنانة في عشرينياتها، حين تعرضت لعملية احتيال مالي باسم “التنوير الروحي” على يد معلمة يوغا، مما أدى لفقدانها مدخرات حياتها، بحسب ما كشفه سياق العمل الفني. هذا الشرخ في الثقة دفعها لإعادة بناء حياتها عبر الفن، حيث لا يسعى بحثها لتقديم إجابات نهائية، بل للتركيز على “شكل السؤال” ومدى قدرة الاعتقاد البشري على الصمود أمام التحولات التكنولوجية الكبرى.
تتحول الصور المشتتة في المعرض إلى رسوم توضيحية لنصوص الكتاب عند القراءة المتأنية، مثل صخرة “Candlestick Rock” التي تمثل أول شروق للشمس على الساحل الشرقي لكوريا. وتوضح الهوامش أن ارتداء بدلة “ghillie” البيضاء في أحد الفيديوهات يهدف إلى “إلغاء الظل” تماماً، في محاولة رمزية لحفر قبر فارغ وسط الثلوج في أول أيام العام، مما يعزز فكرة المعرض ككون مجهري يرفض التسلسل الزمني التقليدي.











