عيادات رقمية بلا تراخيص: كيف تحول “المؤثرون” إلى بديل خطر للأطباء؟
دراسة تحذر: 60% من مشاهير "الصحة" على الإنترنت بلا شهادات طبية

تتحول منصات التواصل الاجتماعي تدريجياً إلى بديل للعيادات التقليدية، حيث يلجأ نحو 40% من البالغين في الولايات المتحدة، ونصف فئة الشباب تحت سن الخمسين، إلى استقاء نصائحهم الصحية من مقاطع الفيديو والبودكاست. هذا التحول الرقمي في استهلاك المعلومة الطبية يواجه فجوة حادة في الموثوقية؛ إذ تظهر البيانات أن الأغلبية العظمى ممن يقدمون هذه النصائح يفتقرون إلى الصفة المهنية الرسمية، مما يضع الصحة العامة في مواجهة مباشرة مع التضليل أو التفسيرات الفردية غير المختبرة.
كشفت دراسة أجراها مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) شملت 6828 مؤثراً في مجالات الصحة والرفاهية ممن لديهم أكثر من 100 ألف متابع، أن 4 من كل 10 فقط لديهم خلفية طبية أو مهنية معتمدة. في المقابل، يصف ثلث هؤلاء أنفسهم بأنهم “مدربون” (Coaches)، بينما يعرف 30% منهم أنفسهم كرواد أعمال، ويعتمد 10% منهم على “التجربة الشخصية” كمصدر وحيد للمعلومة، مثل تجربة الأمومة أو التعافي من مرض ما.
وتحذر الدكتورة فاطمة داود يلماز، طبيبة أمراض النساء في مستشفى ستوني بروك بنيويورك، من غياب المسؤولية القانونية والأخلاقية لدى المؤثرين، مؤكدة أن الأطباء المهنيين يواجهون تبعات قانونية وفصلاً من المهنة في حال تقديم نصائح خاطئة، بينما لا يخضع المؤثرون لأي رقابة مماثلة. وتضيف يلماز أن الحافز المادي لدى المؤثرين غالباً ما يطغى على الدقة العلمية، حيث يعمل هؤلاء ضمن نموذج ربحي يعتمد على الشراكات والعقود الإعلانية، مما يجعل النصيحة الطبية مرتبطة أحياناً بـ “عمولة بيع” مستترة.
الواقع يشير إلى أن الفئات الأقل حظاً في الوصول إلى الرعاية الصحية التقليدية هي الأكثر عرضة لهذا الخطر؛ فوفقاً للأرقام، يلجأ 53% من الأشخاص غير المؤمن عليهم صحياً إلى وسائل التواصل لطلب المشورة، مقارنة بنحو 38% ممن يمتلكون تأميناً طبياً. هذا الهروب نحو المحتوى المجاني يعززه اعتماد المؤثرين على “عنصر الصدمة” أو الوعود البراقة في الثواني الأولى من الفيديو لجذب الانتباه، وهي استراتيجية تهدف لزيادة المشاهدات وليس لتحقيق الفائدة العلاجية.
وفي سياق متصل، تشير كورتني بابيليا، وهي مدربة شخصية معتمدة، إلى ظاهرة “الخبرة المفاجئة”، حيث تتحول سيدة ما إلى “خبير في تدريبات الحمل” بمجرد إنجاب طفلها، دون دراسة لفيزيولوجيا الجسم (طريقة عمل أعضاء الجسم). بينما ترى نيدرا غلوفر تواب، وهي معالجة نفسية ومؤلفة، أن المؤثر المحترف هو من يستخدم لغة حذرة تتضمن كلمات مثل “ربما” أو “أحياناً”، بدلاً من إلقاء تشخيصات نهائية وحاسمة على ملايين المتابعين.
الاعتماد على خوارزميات المنصات (الأنظمة البرمجية التي تختار ما يظهر للمستخدم) يجعل استهلاك المعلومة الصحية فعلاً سلبياً وغير مدروس، حيث يجد المستخدم نفسه أمام نصائح طبية دون أن يبحث عنها فعلياً. ومع غياب الرقابة الصارمة، تظل النصيحة الذهبية تكمن في العودة دائماً إلى الطبيب الذي يعرف التاريخ المرضي للحالة، بدلاً من اتباع اتجاهات عامة قد تكون مضللة أو كارثية في نتائجها على المدى البعيد.








