اقتصاد

النزاع في إيران يكشف أزمات إمداد خفية: هل تتجاوز المخاوف أسعار الوقود؟

الحكومة تواجه ضغوطاً متزايدة لتأمين احتياجات أساسية

محرر في قسم الاقتصاد بمنصة النيل نيوز، يركز على تحليل الأخبار الاقتصادية

لم تعد المخاوف من طوابير الانتظار أمام محطات الوقود هي الشغل الشاغل للدوائر الحكومية وقطاعات الأعمال العليا وحدها، بل امتدت لتكشف عن تحديات أعمق تهدد سلاسل الإمداد الحيوية في ظل التداعيات المتصاعدة للنزاع في إيران.

ويحذر نيك بتلر، المسؤول التنفيذي السابق في شركة «بي بي» والذي عمل سابقاً في الحكومة، من أن نقص إمدادات النفط والغاز قد يظهر خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة. دعوته الصريحة للحكومة بالتخطيط الجاد لمواجهة ذلك، تتناقض بشدة مع النهج الرسمي القائل بـ «الهدوء ومواصلة العمل» الذي يتبناه الوزراء حتى الآن.

لكن ما يدور خلف الكواليس يشير إلى أن القلق يتجاوز بكثير مجرد الوقود، وأن خطط الطوارئ باتت أولوية قصوى للحكومة. ففي بيئة عالمية متقلبة، تبرز ثلاث مناطق رئيسية يحذر فيها قطاع الصناعة الحكومة من ضرورة التحرك بفاعلية أكبر وإبداء اهتمام أعمق.

**أولاً: وفرة وقود الطائرات**

تُعد وفرة وقود الطائرات إحدى النقاط الساخنة الرئيسية، خاصة أنه سلعة لا يمكن تخزينها لفترات طويلة. ارتفع سعره بنسبة 72% منذ بدء الأزمة الإيرانية، مما يضع شركات الطيران التي لا تحوط مشترياتها من الوقود تحت ضغط مباشر، الأمر الذي سينعكس سريعاً على أسعار التذاكر. هذا التطور ينذر بأن عطلات الصيف والخريف قد تشهد ارتفاعات غير مسبوقة في تكاليف السفر، ما يهدد بتبديد آمال الكثيرين في قضاء إجازة ميسورة.

**ثانياً: الأمونيا للأسمدة**

أما التحدي الثاني، فيتركز حول الأمونيا اللازمة لإنتاج الأسمدة، حيث تفتقر البلاد إلى مرافق كافية لإنتاجها محلياً. وتكمن الخطورة هنا في أن ارتفاع أسعارها لا يؤثر فقط على التكلفة النهائية للمنتجات الزراعية، بل يدفع المزارعين لتقليل استخدامها، مما يؤدي إلى انخفاض الغلة وزيادة أسعار الغذاء بشكل عام. هذه المعضلة، التي تفاقمت بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة التي تُعد أساسية لعمليات إنتاج الأمونيا كثيفة الاستهلاك للطاقة (عملية هابر-بوش)، ستشكل قضية مؤلمة وكبيرة للحكومة على مدار العام المقبل.

**ثالثاً: الهيليوم**

النقطة الثالثة التي تُثار بشأنها تحذيرات من قطاع الأعمال تتعلق بالهيليوم، وهو غاز حيوي لصناعة أشباه الموصلات، أجهزة الرنين المغناطيسي (MRI)، المعدات العلمية، وأنظمة الدفاع. وتبرز أهمية هذا الغاز في محدودية مصادره العالمية، حيث تستضيف قطر أحد مصدرين رئيسيين فقط على مستوى العالم.

يمكن للحكومة اتخاذ خطوات استباقية، مثل فرض تخزين احتياطيات إجبارية من المعادن والغازات عالية التقنية لدى الصناعات، أو إقامة «شراكات نمو» مع مصادر بديلة مثل كندا والنرويج لتجاوز الاختناقات المحتملة في منطقة الشرق الأوسط. لكن هذه الحلول، شأنها شأن جميع المجالات ذات الأولوية الأخرى، معقدة وتنافسية، حيث تتسابق دول العالم كافة للحصول على نفس الموارد.

وفي ظل هذه الضغوط، يصر مسؤولون حكوميون كبار على إدراكهم للموقف وعملهم بوتيرة سريعة في بيئة شديدة التعقيد. وفي خطوة ملموسة، تحركت الحكومة لدعم إعادة فتح مصنع «إنسوس تيسايد» الذي ينتج الإيثانول وثاني أكسيد الكربون.

كان المصنع قد أُغلق سابقاً نتيجة لتداعيات صفقة تجارية بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة، وإصرار إدارة ترامب على استثناء الإيثانول في اللحظات الأخيرة. واليوم، يعاد فتحه استجابة لمخاوف من نقص محتمل في إمدادات ثاني أكسيد الكربون المستورد، وهو نقص تفاقم بفعل ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن النزاع في إيران، والذي أثر بدوره على مصانع الأسمدة الأوروبية التي تنتج الغاز كمنتج ثانوي. ما يثير السخرية، كما نقلت صحيفة «فاينانشال تايمز» عن مسؤول حكومي، هو أن «المصنع أُغلق بسبب صفقة مع ترامب، ويُعاد فتحه الآن بسبب حرب ترامب في إيران».

وإلى جانب ذلك، يعقد وزير الخزانة اجتماعات مع الرؤساء التنفيذيين للبنوك، لحثهم على زيادة التواصل مع العملاء الأكثر تضرراً، وسط مخاوف مستمرة من ارتفاع أسعار الفائدة والتضخم الذي يدفع الناس نحو الضائقة الاقتصادية. كما أجرى وزير الأعمال بيتر كايل مكالمة مع قادة الصناعة، ناقلاً رسالة مفادها «نحن نتابع الأمر» ومطالباً بتقديم البيانات اللازمة.

تمثل هذه التحركات جزءاً من أحجية معقدة ومتشابكة للحفاظ على استمرارية الاقتصاد في مواجهة أزمة إيران. ومن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة المزيد من الإجراءات والتدخلات الحكومية لمواجهة تحديات سلاسل الإمداد العالمية المتزايدة.

مقالات ذات صلة