عرب وعالم

المكسيك في قبضة الرعب: ليلة دامية بعد مقتل ‘إل مينشو’.. هل بدأت ‘ناركو-التمرد’؟

مقتل أخطر مهربي المخدرات يشعل البلاد.. مدن مهجورة وحكومة في حالة تأهب قصوى

انزلقت المكسيك إلى فوضى عارمة ليلة الأحد الماضي، مدن كبرى خلت شوارعها من المارة، بينما كانت الحكومة في حالة تأهب قصوى، ترقب أي هجوم أو انفجار إرهابي محتمل. كان المحرك لكل هذا المشهد الصادم: مقتل نيميسيو أوسيغيرا سرفانتس، المعروف باسم ‘إل مينشو’، أخطر مهربي المخدرات في المكسيك، بعد أن أردته قوات الجيش في ولاية خاليسكو قبل ساعات قليلة.

لم يكن هذا مجرد حدث عادي. دفع مقتل ‘إل مينشو’ البلاد إلى حافة الهاوية، في مشهد لم يتكرر منذ أكتوبر 2019، عندما شهدت كولياكان، عاصمة سينالوا، انفجاراً عنيفاً للجريمة المنظمة عُرف بـ ‘كولياكاناثو’، حين حاولت قوات الأمن اعتقال أوفيديو غوزمان، نجل خواكين ‘إل تشابو’ غوزمان. وقتها، وتحت وابل النيران، قرر الرئيس أندريس مانويل لوبيز أوبرادور إطلاق سراح أوفيديو (الذي اعتُقل مجدداً في 2023)، ولم يخرج العنف عن حدود سينالوا.

لكن هذه المرة، تجاوز الرعب كل الحدود. أقام مهربو المخدرات 252 نقطة تفتيش على الطرق السريعة والفرعية في جميع أنحاء البلاد، هاجموا مواقع عسكرية، اشتبكوا مع الشرطة، وفجروا قنابل استهدفت متاجر كبرى ومنازل وبنوك وصيدليات. لم يكن هذا مجرد رد فعل، بل تصعيد خطير.

من داخل مجلس الأمن، تسربت معلومات تفيد بأن حرق فروع البنوك الحكومية كان الشرارة التي أشعلت الإنذار لدى الحكومة. اعتبرت السلطات ذلك عملاً من أعمال ‘ناركو-التمرد’، مشابهاً لما حدث في كولومبيا في ثمانينيات القرن الماضي. عاشت حكومة الرئيسة كلوديا شينباوم ليلة طويلة ومتوترة، حيث انتشرت عناصر الاستخبارات في المطارات ومحطات المترو والمباني الحكومية في المدن الكبرى: مكسيكو سيتي، مونتيري، وغوادالاخارا. لا يزال التوتر سيد الموقف، في انتظار انتقام لم يأتِ بعد.

حاولت شينباوم جاهدة الحفاظ على صورة من الهدوء والوضع الطبيعي المزعوم. رسالة محفوفة بالمخاطر، فبينما كانت الرئيسة تؤكد بعد ظهر الأحد أن كل شيء تحت السيطرة، كانت شاشات الأخبار تعرض صوراً لمدن تبدو وكأنها في حالة حرب.

مع حلول الليل، تحولت غوادالاخارا، المدينة التي ستستضيف مباريات كأس العالم لكرة القدم في يونيو، إلى مدينة أشباح. لا مواصلات عامة، لا محلات تجارية ولا بنوك مفتوحة، ولا أحد في الشوارع. يقول أبيل لوزانو، أحد سكان وسط عاصمة خاليسكو، لصحيفة ABC: «عندما حل الليل، كان الوضع مخيفاً للغاية، كنا نسمع انفجارات وطائرات هليكوبتر من بعيد، ورسائل الحكومة لم تتوقف عن التحذير من مغادرة المنازل».

استيقظت المدينة صباح الاثنين على تعليق الدراسة، وعودة بطيئة للحركة التجارية والمواصلات. تحدث العديد من السكان عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن فجر متوتر، تقطعه أصوات صفارات الإنذار ودوريات عسكرية مدججة بالسلاح.

أسفرت أحداث العنف عن مقتل 61 شخصاً في الاشتباكات، وعدد غير دقيق من المدنيين الذين طالتهم أعمال العنف، تشير تقديرات مختلفة إلى تسع حالات. «في هجمات جبانة أعقبت عملية اعتقال إل مينشو، سُجل 27 اعتداءً ضد السلطات. في خاليسكو، وقعت ستة اعتداءات، قُتل فيها للأسف 25 عنصراً من الحرس الوطني، وحارس أمن، وعنصر من مكتب المدعي العام للدولة»، هكذا أعلن وزير الأمن العام، عمر غارسيا هارفوتش، يوم الاثنين. وأضاف المسؤول أن امرأة حامل لقيت حتفها في هذه الأحداث، بالإضافة إلى مقتل 30 شخصاً من أفراد الجريمة المنظمة.

يوم الاثنين، قدم وزير الدفاع الوطني، الجنرال ريكاردو تريفيلا، تفاصيل العملية التي أدت إلى مقتل أخطر مهربي المخدرات المطلوبين. وفقاً للجنرال، تم تحديد موقع ‘إل مينشو’ من خلال تتبع شريكته العاطفية في بلدة تابالبا بولاية خاليسكو.

مرة أخرى، كانت رفيقات زعماء العصابات هي الوسيلة الأخيرة لسقوطهم: حدث ذلك في عام 2016 مع الممثلة وعارضة الأزياء كيت ديل كاستيلو، التي سهلت اعتقال خواكين ‘إل تشابو’ غوزمان؛ وفي عام 1985 مع سارة كوسيو، التي سمح تتبعها بالقبض على رافائيل كارو كوينتيرو؛ وفي عام 2013 مع خوانيتا ريوس، زوجة ميغيل تريفيو، زعيم عصابة لوس زيتاس.

«في 20 فبراير، ومن خلال أعمال استخبارات عسكرية مركزية، تم تحديد موقع رجل موثوق به لإحدى شريكات ‘إل مينشو’ العاطفية، حيث نقلها إلى منشأة في بلدة تابالبا، خاليسكو»، أوضح الجنرال تريفيلا في القصر الوطني. «في ذلك المكان، التقت هذه الشريكة العاطفية بـ ‘إل مينشو’، وفي 21 فبراير غادرت المبنى، وتم الحصول على معلومات تفيد بأن ‘إل مينشو’ بقي في ذلك المكان. لقد بقي هناك مع دائرة أمنية خاصة به»، علق الجنرال.

بمجرد تحديد المخبأ، انطلق الجيش المكسيكي نحو هدفه، الذي رد الهجوم وهرب إلى منطقة غابات حيث اختبأ بين الشجيرات. تم اكتشاف ‘إل مينشو’، وفي اشتباك جديد، أصيب بجروح خطيرة، ليفارق الحياة أثناء نقله إلى المستشفى.

من جانبها، أكدت شينباوم أن العملية ضد ‘إل مينشو’ نفذتها القوات الفيدرالية، وأن التعاون مع حكومة الولايات المتحدة اقتصر على تبادل المعلومات الاستخباراتية فقط. وشددت الرئيسة، مرة أخرى، على روايتها المتكررة بأن القوات الأمريكية لا تتدخل في العمليات على الأراضي المكسيكية. فقد رفضت شينباوم مراراً عروض دونالد ترامب بإرسال قوات إلى المكسيك. «جميع العمليات تنفذها القوات الفيدرالية المكسيكية، لا توجد مشاركة لقوات الولايات المتحدة في العملية. ما يوجد هو الكثير من تبادل المعلومات، كما قلنا هنا عدة مرات»، صرحت الرئيسة.

مقالات ذات صلة