نان غولدين: عدسة توثق الذاكرة وتكسر القوالب الفنية
معرض في لندن يحتفي بـ"قصيدة التبعية الجنسية" بعد أربعة عقود من صدورها

تحتفي صالات عرض “غاغوسيان” في لندن، بمرور أربعين عاماً على صدور كتاب الصور الفوتوغرافية الشهير “قصيدة التبعية الجنسية” (The Ballad of Sexual Dependency) للمصورة الأمريكية نان غولدين، وذلك عبر معرض يضم جميع الصور الـ126 التي تضمنها الإصدار الأصلي.
هذا العمل، الذي يُعد الأبرز والأكثر احتفاءً في مسيرة غولدين، لطالما شكل التوثيق هاجساً مركزياً فيه، مدفوعة برغبة ملحة في حفظ “الذاكرة الحقيقية” للأشخاص المقربين منها، وتخليد أدق تفاصيل حياتهم اليومية والحميمية. تلك الرغبة التي صاغتها بوضوح في مقدمة كتابها، حيث كتبت: “لا أريد أبداً أن أكون عرضة لرواية أي شخص آخر لتاريخي”، مؤكدةً أن هذا العمل هو بمثابة “يومياتي التي أسمح للناس بقراءتها”.
ويُكرس الكتاب لشقيقتها الكبرى، باربرا، التي انتحرت عندما كانت غولدين في الحادية عشرة من عمرها، وهي التجربة التي تركت أثراً عميقاً في نفسها، وجعلتها تسعى جاهدة لعدم فقدان “الذاكرة الحقيقية” لأي شخص مرة أخرى. فبعد فقدانها للذاكرة الحقيقية لشقيقتها، لم تعد تتذكر سوى “نسختها” منها، ما دفعها لتوثيق كل من حولها.
نافذة على عالم نان غولدين: توثيق الذاكرة والذات
تضم “قصيدة التبعية الجنسية” مئات الصور الوثائقية التي التقطتها غولدين لنفسها وللدائرة المقربة منها من أصدقاء وعشاق ومتحولين جنسياً ومدمنين، وهم يتصارعون مع رغباتهم وعلاقاتهم المتشابكة، بما في ذلك علاقاتهم مع ذواتهم. تتوزع هذه اللقطات، التي التقطت بمعظمها بين عامي 1973 و1986، على مدن مختلفة مثل نيويورك وبوسطن وبرلين، وفي أماكن متنوعة كالحانات وغرف النوم والسيارات والشواطئ، لتوثق حياة غولدين في العشرينات من عمرها بعد أن غادرت منزلها المضطرب في ماساتشوستس وهي في الرابعة عشرة، لتبدأ رحلة متقلبة بين المدارس الداخلية ودور الرعاية والمجتمعات البديلة والعلاقات المتعددة.
لم يرَ هذا العمل النور ككتاب مباشرة، بل بدأ كعرض شرائح مصور، أطلقت عليه غولدين اسم “القصيدة” تيمناً بأغنية من مسرحية “أوبرا القروش الثلاثة” الألمانية الشهيرة لبيرتولت بريخت وكورت فايل عام 1928. كان عرضاً مدته 45 دقيقة، يضم نحو 750 صورة مصحوبة بموسيقى متنوعة، عُرض في نوادي نيويورك الصغيرة، حيث كانت غولدين تتولى تشغيل جهاز العرض بنفسها. تضمن المقطوعات الموسيقية أغاني لـ”فيلفيت أندرغراوند” و”سكريمينغ جاي هوكينز” و”دين مارتن” وماريا كالاس وديون وارويك.
حظي هذا العرض بشهرة واسعة، وعُرض في بينالي “ويتني” عام 1985، قبل أن يُنشر ككتاب في العام التالي، ليصبح مرجعاً فنياً بحد ذاته. وقد احتفظ الكتاب ببعض من جذوره الموسيقية، حيث كانت قائمة المحتويات عبارة عن عناوين الأغاني التي يمكن للقارئ ربطها بالصور إذا رغب في ذلك.
كسرت صور غولدين العديد من الحواجز الفنية، فقد وضعتها في موقع “المتطفل” أو “المراقب”، وهو دور غير متوقع للمرأة في تاريخ الفن. كما ساهم استخدامها للألوان، بدلاً من الأبيض والأسود التقليدي، في ترسيخ قبول التصوير الفوتوغرافي الجاد متعدد الألوان. إضافة إلى ذلك، عززت غولدين الاعتراف بالصور الشخصية العفوية كشكل فني، من خلال دمجها المبتكر بين اليوميات والألبوم العائلي وتصوير الأزياء وتصوير الباباراتزي والصحافة المصورة في عملها.
يصف الناقد هيلتون ألس السلسلة قائلاً: “لم تصور غولدين ما يسمى بالعالم الطبيعي. لقد صورت الحياة كعمل استعراضي، عالماً يبدأ فيه الاختلاف على السطح. يمكنك أن تكون امرأة إذا ارتديت مثلها. أو يمكنك أن ترتدي مثل فكرة ما عن نفسك، امرأة قوية ومتمردة، تكافح للتحرر من اللياقة الاجتماعية بفعل كل الأشياء التي لا يفترض بها أن تفعلها: البكاء في الأماكن العامة، إظهار ندوب حملها خارج الرحم، التبول وربما عدم إصابة المرحاض، الانهيار، ثم إعادة تجميع نفسها مرة أخرى”.
من بين الصور الأيقونية في السلسلة، صورة ذاتية لغولدين بعنوان “نان بعد شهر من تعرضها للضرب” (1984)، تظهر فيها آثار الكدمات على وجهها بعد تعرضها للاعتداء من قبل صديقها السابق، برايان، الذي يظهر أيضاً في “القصيدة”. تُظهر الصورة أنفها المتورم وعينيها السوداوين، إحداهما احتاجت إلى غرز لمنع سقوط مقلة العين، لكنها أيضاً تحتفظ بأحمر شفاهها المميز. (تطورت لدى الفنانة إدمان خطير على المخدرات بعد تلك الحادثة، ودخلت مركز إعادة التأهيل عام 1989).
على الرغم من خصوصية صور غولدين الشديدة لحياتها ولحظات معينة، إلا أن الطابع الشخصي يتحول إلى عالمي. لقد باتت “القصيدة” تعريفاً لجيل من ثقافة وسط مدينة نيويورك في ثمانينات القرن الماضي، وسجلاً للبوهيمية المتمردة. شخصياتها تنضح بإحساس الشباب بالخلود، الذي سرعان ما قاطعه أزمة الإيدز، التي أودت بحياة العديد من أصدقاء غولدين وموضوعات تصويرها. وعندما صدر الكتاب لأول مرة، كتب الناقد الفوتوغرافي البارز في صحيفة “نيويورك تايمز”، آندي غروندبرغ، أن “ما كانه كتاب روبرت فرانك “الأمريكيون” لسنوات الخمسينيات، أصبحت “قصيدة التبعية الجنسية” لنان غولدين لسنوات الثمانينيات”.
تلك “اليوميات” التي أتاحتها غولدين للقراءة، هي “وسيلتي للتحكم في حياتي. إنها تسمح لي بتسجيل كل تفصيل بشكل مهووس. إنها تمكنني من التذكر”.









