“The Rip” على نتفليكس: صخب الدعاية وجدل “الشاشة الثانية” يثيران التساؤلات حول صناعة الأفلام
"The Rip" على نتفليكس: هل أثرت توجيهات المنصة وظاهرة "الشاشة الثانية" على جودة الفيلم؟

تصدر فيلم “The Rip” منصة نتفليكس وسط حملة إعلامية صاخبة وجدل فني لافت، وهو أمر نادر الحدوث مع أعمال المنصات التي عادة ما يغلفها هدوء دعائي وإعلامي، خلافاً لما تشهده أفلام الشركات الكبرى الموزعة في دور العرض السينمائي.
هذا الصخب، الذي تجلى في حملة دعائية مكثفة تضمنت عرضًا خاصًا فاخرًا وسلسلة من الحوارات والتصريحات الإعلامية، نجح في جذب الأنظار للفيلم وزيادة معدلات مشاهدته. إلا أنه في المقابل، رفع سقف التوقعات إلى مستوى فاق حجم الفيلم ومستواه الفني، مما أفضى إلى خيبة أمل واسعة لدى الجمهور، كما تعكس ردود الأفعال على منصات مثل IMBD و Rotten Tomatoes، حيث تراوحت التقييمات بين 66% و 68%.
المثير للدهشة أن الفيلم، الذي يمكن تصنيفه ضمن الأعمال الشعبية أو التجارية بمعايير الصناعة، حظي بإعجاب وتقدير النقاد بشكل أكبر من الجمهور، حيث بلغت نسبة تقييمه 81% على موقع Rotten Tomatoes.
أزمة “الشاشة الثانية”
الجدل الفني المحيط بالفيلم ارتبط بتصريحات أدلى بها بطل العمل، مات ديمون، حول توجيهات وطلبات نتفليكس خلال عملية الإنتاج. كما تزامن ذلك مع تقرير صادر عن المنصة نفسها يتناول ظاهرة “الشاشة الثانية”، التي تشير إلى مشاهدة الجمهور للأفلام على الشاشات الكبيرة (التلفزيون أو السينما) بالتزامن مع تصفح شاشة صغيرة أخرى في أيديهم، مما يقلل من تركيزهم ويزيد من شعورهم بالملل.
بالنسبة لأي مشاهد تابع هذا الجدل، يصبح من الصعب عليه متابعة الفيلم دون التفكير في تصريحات ديمون وتقرير نتفليكس. غالبًا ما يدفعه الفضول إلى ترك “الشاشة الثانية” جانبًا، للتركيز على طبيعة الإضافات والتعديلات التي طلبتها المنصة، والتي تمثلت في تبسيط الحبكة وإعادة شرحها شفهيًا عدة مرات. هذه التوجيهات تذكرنا بالمواصفات التقليدية القديمة لمسلسلات “أوبرا الصابون” (Soup Opera)، التي كانت تستهدف ربات البيوت أثناء انشغالهن بإعداد الطعام أو غسل الأطباق، لكن في العصر الحديث، حلت “الشاشة الثانية” محل الأطباق.
وبعيدًا عن توجيهات نتفليكس، تتجاوز هذه الظاهرة وتأثيراتها مجرد الإرشادات الخاصة بكتابة السيناريوهات. يلاحظ ضعف قدرة الجيل الجديد على التركيز لفترات طويلة، سواء في مشاهدة الأفلام أو غيرها، ويعود ذلك غالبًا إلى حاجتهم المتكررة لتفقد هواتفهم وقراءة وكتابة الرسائل كل عشر دقائق تقريبًا.
إن الشروط والإرشادات التي تفرضها شركات الإنتاج، وجهات التمويل والدعم، والمهرجانات، وحتى الأطراف المعنية بصناعة الأفلام، ليست بالظاهرة المستحدثة. فمهما اختلفت تفاصيلها، تنبع هذه التوجيهات عادة من منظور يعتبر المنتج الفني سلعة موجهة إلى مستهلكين متنوعين، سواء كانوا الجمهور العام أو فئة محددة منه، أو النقاد ولجان التحكيم. كما ترتبط هذه الإرشادات في جانب آخر بالسياسات أو الرسائل التي تسعى هذه الجهات لإيصالها إلى المشاهدين.
بعد أن وضع صناع فيلم “The Rip” أنفسهم تحت المجهر، تبين أن العمل لا يكتفي بالتكييفات التي طلبتها نتفليكس لمراعاة ظاهرة “الشاشة الثانية”، بل يضم أيضًا معظم “تعليمات السلامة” الهوليوودية التقليدية. يبدأ الفيلم باستهلال قوي يتضمن مشهد مطاردة وعنف، ويمضي قدمًا في الترويج لعظمة وبطولة الشرطي الأمريكي “العالمي”، مرورًا بحبكة تشويقية محكمة، وتصعيد مستويات الخطر الذي يواجهه الأبطال، وصياغة شخصية الخصم الشرير، وصولًا إلى اختيار ممثلين وممثلات من أعراق وألوان مختلفة لدعم قيم التنوع والتعددية الثقافية.
وفقًا للقواعد
يتولى إخراج الفيلم جو كارنهان، وهو مخرج يتمتع بموهبة متوسطة، ويشتهر بتخصصه في الأعمال البوليسية والتشويقية. من أبرز أعماله وأكثرها نجاحًا فيلم “The Grey” عام 2011، الذي قام ببطولته ليام نيسون، وتدور أحداثه حول مجموعة من عمال البترول تتحطم طائرتهم في ألاسكا، ليواجهوا هجمات الذئاب الرمادية.
يُعد كارنهان مخرجًا “ماهرًا” بالمعنى الدارج، لكن قدراته الإبداعية تبدو محدودة. يتجلى ذلك في الفيلم الذي يمكن وصفه بأنه “جيد” في أحسن الأحوال، ولا يتعدى إخراجيًا مجرد سرد القصة وإعادة شرحها عدة مرات، تمامًا كما توصي كتب السيناريو والإخراج السينمائي.
تدور أحداث الفيلم حول فريق شرطة متخصص في مكافحة المخدرات، يتعرض قائدته للاغتيال في مستهل الأحداث. تثير السلطات العليا شكوكًا حول نزاهة أعضاء الفريق، وتوضع هذه النزاهة على المحك عندما يتلقى الفريق بلاغًا عن منزل مهجور يحوي كمية كبيرة من أموال المخدرات المخزنة. يذهب الفريق إلى الموقع ليكتشف أن المبلغ، الذي كان يُتوقع ألا يتجاوز 300 ألف دولار على أقصى تقدير، يتعدى حاجز الـ20 مليون دولار.
يحمل عنوان الفيلم اختصارًا لتعبير بوليسي أمريكي هو “Robbery in progress”، أي “سرقة قيد التنفيذ”. كما يمكن أن يشير إلى الفعل “Rip” بمعنى “الاختلاس”، في إشارة إلى رجال الشرطة الفاسدين الذين يستولون على أموال المخدرات المصادرة. كلا المعنيين يتجسدان في أحداث الفيلم.
من الواقع إلى الشاشة
يشير الفيلم في بدايته إلى أنه “مستلهم من قصة حقيقية”. وللتعرف على كيفية معالجة المؤسسة الإنتاجية لأي عمل، تبرز أهمية مقارنة الواقع بما يعرض على الشاشة. القصة الأصلية، التي حظيت بتغطية إعلامية أمريكية واسعة عام 2016، تتمحور حول قيام مأمور مكافحة المخدرات في إحدى مقاطعات فلوريدا بمداهمة مخزن لأموال العصابات داخل منزل مهجور، حيث عثر على 20 مليون دولار. وقد نجح المأمور وفريقه الصغير في الخروج بالأموال سليمة دون نقصان وتسليمها للحكومة.
المأمور الحقيقي، كريس كاسيانو، كان لديه بالفعل ابن توفي بمرض السرطان، وهي تفصيلة تتطابق مع الشخصية الرئيسية في الفيلم، دين دومارز، التي يجسدها مات ديمون.
بخلاف ذلك، فإن بقية أحداث الفيلم هي محض خيال، بما في ذلك وجود شرطي فاسد ضمن الفريق، وعلاقة الحب التي تجمع بين عضو فريق المداهمة دي جي بيرن (بن أفليك) ورئيستهم الضابطة التي تُغتَال في بداية الفيلم، بالإضافة إلى علاقة بيرن المتوترة بشقيقه الضابط الفيدرالي، والتي تشهد إصلاحًا في ختام الأحداث.
تُعد هذه العلاقات العاطفية والعائلية، التي تتشابك مع الأحداث المهنية، أداة دائمة تلجأ إليها هوليوود لـ”تعميق” الأفلام وجعلها أكثر جاذبية للجمهور. فالمشاهدون غالبًا ما يميلون للاهتمام بالجوانب الإنسانية المشتركة أكثر من الأحداث السياسية أو البوليسية التي قد تبدو بعيدة عن اهتماماتهم الشخصية.
كما أُضيفت شخصيات الضباط الفاسدين، بمن فيهم فرد من فريق المداهمة، بهدف إضفاء المزيد من التشويق والتوتر، وإثارة فضول المشاهد وحيرته وقلقه.
توظيف النجوم: استراتيجية “هادفة”
بإلقاء نظرة على قائمة الممثلين في فيلم “The Rip”، يتضح فورًا النمط “الهادف” في توظيف النجوم الذي تتبعه صناعة السينما.
يُعد مات ديمون وبن أفليك من أبرز نجوم وثنائيات هوليوود لأكثر من ثلاثة عقود. يربطهما صداقة وثيقة وشراكة طويلة الأمد، بدأت بظهورهما الأول في فيلم “Field Of Dreams” عام 1989، وصولًا إلى “Good Will Hunting” عام 1997، الذي شاركا في كتابته وبطولته وحصلا عنه على جائزة أوسكار لأفضل سيناريو. وقد امتدت شراكتهما عبر العديد من الأعمال الأخرى كممثلين أو منتجين من خلال شركتهما “Artists Equity”، التي تولت الإنتاج التنفيذي لفيلم “The Rip” لصالح نتفليكس.
تتمتع هذه الثنائية بكيمياء فنية نادرة، لم تتوفر سوى لعدد قليل جدًا من النجوم في تاريخ السينما. هذه الكيمياء واضحة للعيان في جميع أعمالهما المشتركة، وهي حاضرة بقوة في “The Rip”، وتشكل أحد أبرز عناصره الإيجابية. لكن هذا لا ينطبق بالضرورة على جميع نجوم الفيلم. يضم فريق المداهمة ثلاثة ضباط آخرين: ستيفن يووين، ذو الأصول الآسيوية، في دور مايك رو، وهو ممثل بارع يقدم هنا دورًا كبيرًا وصعبًا، وإن كان نمطيًا.
كما يضم الفريق تيانا تيلور في شخصية الضابطة نوما بابتيست. تيلور، التي تألقت مؤخرًا في فيلم “One Battle After Another”، تُعد رمزًا للأنوثة السوداء، وهي مغنية وكاتبة أغاني وراقصة ومصممة رقصات ومخرجة فيديو كليب وعارضة أزياء، بالإضافة إلى العديد من المواهب الأخرى. وقد أثارت ضجة بفستانها المثير الذي غطى نصف وجهها في العرض الخاص لـ”The Rip”. ومع ذلك، يتبادر إلى ذهن المشاهد سؤال: ما هو دور تيانا هنا؟ يبدو أنها لا تفعل شيئًا يذكر سوى عد الأموال!
وينضم إلى الفريق أيضًا كاتالينا ساندينو مورينو، ذات الأصول اللاتينية، في دور الضابطة لولو سالازار. ومثل تيلور، لا يبدو أن لها دورًا فعالًا سوى عد الأموال، وتتعرض لإصابة بطلقة في فخذها.
عند مداهمة الضباط للمنزل، يجدون شابة أخرى من أصل لاتيني، تجسد دورها ساشا كالي. كالي، وهي ممثلة جيدة، تؤدي ببراعة شخصية الفتاة الغامضة ديزي مولينا، التي يظل مصيرها غير واضح، هل هي عضو في العصابة أم مرشدة للشرطة؟ في الواقع، تُعد هي وستيفن يووين أفضل ما في الفيلم، إلى جانب الكيمياء الملحوظة بين ديمون وأفليك.
تبقى ملاحظة هامة تتعلق بالعقد المبرم مع نتفليكس، قد تفسر الكثير من التفاصيل السابقة: في حال تحقيق الفيلم لنسبة مشاهدات معينة خلال ثلاثة أشهر من بدء البث، يحصل جميع العاملين فيه، والبالغ عددهم 1200 شخص، على مكافأة إضافية.
المثير في هذا الخبر هو العدد الهائل للعاملين في الفيلم، رغم محدودية عدد الممثلين ومواقع التصوير، وغياب المشاهد التي تتطلب مجاميع كبيرة أو مؤثرات خاصة تستدعي فريقًا تقنيًا ضخمًا. والأكثر إثارة هو موافقة فريق النجوم البارز المشارك في العمل، وعلى رأسهم المنتجان مات ديمون وبن أفليك، على التعامل بنظام المكافآت المرتبطة بتحقيق “الهدف” (التارجيت)، على غرار موظفي التسويق والمبيعات. قد يفسر هذا الأمر الشكل المتهافت الذي ظهر به الفيلم.









