فن

مرور 60 عاماً على معرض «بنى أولية» في نيويورك وتكريس الفن التقليلي

ستة عقود على المعرض الذي غير مسار النحت الحديث في نيويورك

كاتب ومراسل إخباري في منصة النيل نيوز، متخصص في اخبار الفن والثقافة.

يقترب المتحف اليهودي في نيويورك من إحياء الذكرى الستين لمعرض «بنى أولية» (Primary Structures)؛ الحدث الذي هزّ الأوساط الفنية عام 1966 وكان بمثابة الولادة الرسمية لما عُرف لاحقاً بالفن التقليلي (Minimalism). المعرض الذي أشرف عليه القيم الفني كيناستون مكسين، قدّم مسحاً شاملاً لأعمال 42 فناناً من أمريكا وبريطانيا، في توقيت كانت فيه نيويورك قد انتزعت بالفعل مركز الثقل الفني من باريس في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

في 28 أبريل 1966، كتبت صحيفة نيويورك تايمز مراجعة نقدية بتوقيع هيلتون كرامر، وصف فيها تلك الأعمال بأنها تفتقر إلى اللمسة الشخصية والتعبير الذاتي، وهي السمات التي ميزت تاريخ الرسم والنحت الحديث. كرامر، الذي عُرف بتوجهاته المحافظة، رأى في العرض أول نظرة شاملة لأسلوب هدد بالهيمنة على الحقبة، وهو توقع تحقق فعلياً قبل أن يطوي عقد الستينيات أوراقه.

ضمت قائمة المشاركين أسماء تحولت لاحقاً إلى أعمدة للفن المعاصر؛ دونالد جود، وسول لويت، وكارل أندريه، ودان فلافين، ووالتر دي ماريا، وروبرت موريس، إضافة إلى البريطاني فيليب كينج. هؤلاء اعتمدوا التجريد الهندسي الصارم، متأثرين بجذور «السوبرماتية» التي أسسها كازيمير ماليفتش في روسيا مطلع القرن العشرين، وتجارب حركة «دي ستيل» الهولندية بقيادة بيت موندريان، رغم تباين الغايات الروحية بين جيل الريادة وجيل الستينيات.

تحاشى مكسين استخدام مصطلح «المينيماليزم» أثناء التنظيم، وترك الأعمال تواجه الجمهور دون تصنيفات مسبقة. في تلك السنوات، كان المتحف اليهودي يعيش مرحلة ريادية، مستضيفاً أولى المعارض الاستيعابية لأسماء بحجم روبرت راوشينبيرج وجاسبر جونز، ما حوّله إلى مصنع للأفكار الراديكالية قبل أن تتبنى المتاحف الكبرى، مثل «الميتروبوليتان» في نيويورك و«تيت» في لندن، هذه الأنماط الفنية.

في عام 1964، كان دونالد جود قد طرح في مقالته «أجسام محددة» المفهوم الذي ارتكزت عليه أعمال المعرض؛ رفض الدور المرجعي للفن والإصرار على أن قيمة العمل تكمن في شغله للحيز المكاني ثلاثي الأبعاد. هذا التوجه حوّل دور الفنان من «صانع» إلى «مصمم»، حيث كلف جود وغيره مصانع وورش حدادة بتنفيذ القطع الفنية، في محاكاة مباشرة للطبيعة الصناعية للمجتمع الأمريكي بمنتصف القرن.

المعرض استوعب أيضاً أعمالاً لأنطوني كارو وتوني سميث، حيث حاول مكسين ربط الحداثة الفجة بجذور أقدم تعود إلى ديفيد سميث وتأثيرات بيكاسو النحتية. ورغم الهجوم النقدي العنيف على غياب «يد الفنان»، عاد كرامر في نهاية مراجعته ليقر بأن المعرض أثبت وجود جمالية نحتية جديدة كلياً، تسرّب تأثيرها لاحقاً إلى العمارة والأزياء وتصميمات الحياة اليومية.

مقالات ذات صلة