عرب وعالم

غرينلاند: من جزيرة نائية إلى قلب الصراع الجيوسياسي العالمي

الذوبان الجليدي يفتح شهية القوى الكبرى.. والدنمارك تعزز وجودها العسكري

مراسل في قسم عرب وعالم بمنصة النيل نيوز

تحولت غرينلاند، الجزيرة الشاسعة التي تتجاوز مساحتها 2.1 مليون كيلومتر مربع ويقطنها 56 ألف نسمة فقط، من مجرد بقعة نائية إلى نقطة محورية في المشهد الجيوسياسي العالمي. فبعد تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، التي طرح فيها علناً فكرة “شراء” الجزيرة، تسارعت ردود الفعل الدنماركية، التي مزجت بين الاعتزاز الوطني والحسابات الاستراتيجية والقلق على مستقبل القطب الشمالي. وقد ردت كوبنهاغن بتعزيز واضح لوجودها العسكري، موجهة رسالة واضحة: غرينلاند ليست للبيع، لا الآن ولا في أي وقت آخر.

في الوقت ذاته، يفتح ذوبان الجليد ممرات بحرية جديدة، ويزيد من قيمة الموارد المعدنية والطاقة الكامنة تحت الغطاء الجليدي. فما كان قبل عقدين من الزمان مجرد مسرح هامشي، أصبح الآن محور تنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين وحلفائها الأوروبيين. وتكتشف الدنمارك، التي تعد نظرياً دولة صغيرة، أن الدفاع عن هذه الجزيرة العملاقة سيحدد سياستها الخارجية والأمنية في العقود القادمة.

غرينلاند: مساحة شاسعة بثقل صغير، لكنه حاسم

تعد غرينلاند، من الناحية الجغرافية، أكبر جزيرة في العالم، حيث يغطي الجليد نحو 80% من مساحتها. ومع ذلك، ظل وزنها الديموغرافي والاقتصادي محدوداً تاريخياً ضمن مملكة الدنمارك. هذه الهشاشة الظاهرة هي تحديداً ما يجعلها عرضة للأطماع الخارجية: مساحة هائلة قليلة السكان، غنية بالموارد، وتقع عند مفترق طرق استراتيجي للممرات المحيطية والجوية.

بالنسبة لكوبنهاغن، يتجاوز الارتباط بغرينلاند مجرد إرث استعماري. فهو يمنح الدنمارك، الدولة التي لا يتجاوز عدد سكانها 6 ملايين نسمة، نفوذاً قطبياً لم تكن لتحظى به لولا هذه الجزيرة، التي تزيد مساحتها بأكثر من 50 ضعفاً عن أراضي الدنمارك الأم. وتتعايش الاستقلالية الغرينلاندية، التي تعززت في السنوات الأخيرة، مع حقيقة أن الدفاع والسياسة الخارجية يظلان من اختصاص الدنمارك.

هذا التوازن الدقيق يتعرض الآن لضغوط بسبب اهتمام القوى الخارجية. فالجزيرة لم تعد تُعرّف فقط بمجتمعاتها السمكية أو بالقاعدة الأمريكية في ثول، بل أصبحت جزءاً أساسياً من بنية الأمن في شمال الأطلسي.

القطب الشمالي يذوب ويعيد ترتيب الخريطة

الخلفية هنا هي قطب شمالي يتغير بسرعة غير مسبوقة. فارتفاع درجات الحرارة، الذي يسير بوتيرة أسرع بثلاث مرات من المتوسط العالمي، يقلص الغطاء الجليدي الصيفي ويفتح ممرات كانت غير صالحة للملاحة لعدة أشهر في السنة. وتشير تقديرات المنظمات الدولية إلى أن المنطقة قد تحتوي على ما يصل إلى 13% من النفط غير المكتشف و30% من الغاز على الكوكب، بالإضافة إلى معادن أرضية نادرة ويورانيوم ومعادن حيوية أخرى.

عملياً، يعني هذا أن البحر المحيط بغرينلاند لم يعد مجرد حاجز، بل تحول إلى ممر للتجارة وللنفوذ العسكري. وقد تختصر سفن الحاويات التي ستعبر الممرات القطبية مستقبلاً ما يصل إلى 30% من وقت الرحلة مقارنة بالطرق التقليدية مثل قناة السويس. وبالنسبة للولايات المتحدة وروسيا والصين وكندا ودول الشمال، فإن عدم التواجد في هذا المشهد يعادل التنازل عن نفوذ جيوسياسي في منطقة ستصبح أقل “بعداً” بمرور الوقت.

لقد أدركت الدنمارك أن الخطابات لا تكفي: يجب على البلاد أن تثبت قدرتها على التحكم وحماية المياه والأراضي التي هي رسمياً ملك لها. ومن هنا جاء الاستثمار المتزايد في المراقبة وأجهزة الاستشعار وطائرات الدوريات والقوات المنتشرة في غرينلاند نفسها.

2026011921183140744

ترامب وفكرة “شراء” غرينلاند: مقترح لم يذهب سدى

عندما ألمح دونالد ترامب، أولاً سراً ثم علناً، إلى فكرة أن الولايات المتحدة قد تشتري غرينلاند، تفاعل جزء كبير من العالم بين عدم التصديق والسخرية. ومع ذلك، كان التفسير في الدنمارك مختلفاً تماماً. فبدلاً من اعتبار الحادثة مجرد نزوة عابرة، فسرها الكثيرون في المؤسسة الدنماركية كإشارة إلى أن واشنطن ترى الجزيرة كأصل استراتيجي غير محمي بشكل كافٍ.

وقد اصطدم هذا الاقتراح بشكل مباشر بالحساسية الدنماركية والغرينلاندية. وردت كوبنهاغن بحزم، مؤكدة أن “غرينلاند ليست للبيع”، بينما أصرت الحكومة الذاتية في نوك على حقها في تقرير مستقبلها. لكن العبارة تركت صدى مزعجاً: إذا كان الحليف الرئيسي والضامن الأمني في الناتو يفكر في شراء جزء من المملكة، فماذا يعني ذلك بالنسبة للتوازن الداخلي للقوة؟

منذ ذلك الحين، لم تعد الضغوط الأمريكية تتجلى في عروض الشراء، بل في اهتمام متجدد بمنشآت واستثمارات واتفاقيات جديدة. وبالنسبة للدنمارك، كانت الرسالة واضحة: إما أن تعزز قدرتها الدفاعية ووجودها في الجزيرة، أو تخاطر بأن يحدد الآخرون الأجندة.

“مقاومة القطب الشمالي”: قوة عسكرية ورسالة دبلوماسية

في هذا السياق، تأتي مناورات “مقاومة القطب الشمالي”، التي شهدت نشر نحو 100 جندي دنماركي في نوك وعدد مماثل في كانجيرلوسواك، داخل غرينلاند. ظاهرياً، تهدف هذه المناورات إلى تحسين جاهزية القوات الدنماركية في الظروف القاسية: درجات حرارة تقل عن 20 درجة مئوية تحت الصفر، ورياح عاتية، ورؤية محدودة، وبيئة لوجستية معقدة.

لكن المعنى السياسي يتجاوز ذلك بكثير. فقد كان قائد القيادة القطبية، سورين أندرسن، صريحاً في ربط تكثيف الوجود العسكري بالضغوط الخارجية المتزايدة، وخاصة بتصريحات ترامب. إنها، بعبارة الدفاع، “إشارة سيادة”: تثبت الدنمارك أن لديها القدرة والإرادة لنشر القوات والمعدات والتكنولوجيا المتقدمة في الأراضي التي يطمع فيها الآخرون.

وبعيداً عن الاستعراض الفارغ، تختبر هذه المناورات سلاسل القيادة، والانتشار السريع، والتنسيق مع خفر السواحل وحلفاء الناتو، ودمج أجهزة الاستشعار وأنظمة الاتصالات الخاصة ببيئة القطب الشمالي. وفي الوقت نفسه، تبعث برسالة داخلية: غرينلاند ليست مجرد مشهد بعيد، بل أولوية حقيقية للقوات المسلحة الدنماركية.

موارد تحت الجليد: الجبهة الأخرى للنزاع

بعيداً عن البعد العسكري، يفسر جاذبية غرينلاند بإمكاناتها الاقتصادية على المدى المتوسط والطويل. فأسفل الجليد والتربة الصقيعية تكمن رواسب من المعادن الأرضية النادرة، واليورانيوم، والزنك، والحديد، وربما الهيدروكربونات، وهي موارد أساسية للانتقال الطاقوي ولصناعات التكنولوجيا الفائقة. في عالم يتنافس على تأمين سلاسل الإمداد الحيوية، تعد الأراضي التي تحتوي على هذا الكم من الموارد غير المستغلة بمثابة ذهب جيوسياسي.

وقد استكشفت الشركات وصناديق الاستثمار، وخاصة من الولايات المتحدة والصين وأوروبا، على مدى العقد الماضي مشاريع استغلال التعدين والطاقة في نقاط مختلفة من الجزيرة. وتفتح كل خطوة من هذه الخطوات نقاشاً معقداً بين التنمية الاقتصادية، والحفاظ على البيئة، والسيادة السياسية. وبالنسبة للدنمارك، فإن السماح باستثمارات ضخمة دون إطار تحكم واضح سيعني، بحكم الأمر الواقع، التنازل عن النفوذ؛ أما حظرها بالكامل فسيعني التخلي عن فرص قد تحول اقتصاد غرينلاند.

وتضيف الضغوط المناخية طبقة أخرى من التعقيد. فاستكشاف الهيدروكربونات في منطقة ترمز إلى تأثير الاحتباس الحراري هو توازن صعب التبرير أمام الرأي العام الأوروبي. ومن هنا، تحاول كوبنهاغن توجيه السرد نحو تعدين المعادن الحيوية والبحث العلمي، وهما أمران يسهل التوفيق بينهما وبين صورتها كدولة خضراء.

الدنمارك بين واشنطن وموسكو وبكين

لا يمكن فهم ما يحدث في غرينلاند بمعزل عن المثلث: الولايات المتحدة – روسيا – الصين. ترى واشنطن الجزيرة عنصراً أساسياً للدفاع عن القارة الأمريكية الشمالية، نظراً لموقعها قبالة مضيق ديفيس وبحر لابرادور، ولإمكانية نشر الرادارات وأنظمة المراقبة فوق القطب. أما موسكو، فقد سرعت من تحديث قواعدها في القطب الشمالي الروسي، ونشرت كاسحات جليد عسكرية وأنظمة دفاع جوي.

الصين، على الرغم من بعدها الجغرافي، تُعرّف نفسها بالفعل بأنها “قوة شبه قطبية”، واستثمرت في البنية التحتية ومشاريع البحث في المنطقة، مع التركيز على “طريق الحرير القطبي”. في هذا السياق، تجد الدنمارك نفسها مضطرة لموازنة الولاءات: تعزيز التعاون مع الولايات المتحدة في إطار الناتو، دون أن تتحول إلى مجرد تابع؛ احتواء الإغراءات الروسية دون تأجيج التصعيد؛ وتدقيق دخول رأس المال الصيني إلى المشاريع الاستراتيجية.

النتيجة هي سياسة من البراغماتية اليقظة: الانفتاح على التعاون حيثما يضيف قيمة، ولكن مع التأكيد على أن القرارات الأساسية بشأن الأراضي والدفاع تتخذ في كوبنهاغن ونوك، وليس في واشنطن أو موسكو أو بكين.

ما هو على المحك في المشهد القطبي الجديد؟

إن الانتشار في غرينلاند والخطاب الدنماركي ليسا مجرد حدث منعزل، بل هما مقدمة لعقد ستتحول فيه منطقة القطب الشمالي من حدود إلى ممر مركزي. وستحدد الطريقة التي تدير بها الدنمارك هذه اللحظة مكانتها في بنية الأمن الأوروبي والأطلسي.

إذا نجحت، ستتمكن من ترسيخ نموذج يتعزز فيه الاستقلال الذاتي لغرينلاند، والدفاع المشترك، والاستغلال المسؤول للموارد بشكل متبادل. أما إذا فشلت، فإنها تخاطر بأن تتخذ القرارات بعيداً عن مؤسساتها، وأن تتحول الجزيرة إلى ساحة أخرى للتنافس الأجنبي.

في الوقت الراهن، الرسالة قوية: غرينلاند جزء لا يتجزأ من مملكة الدنمارك وليست للبيع. لكن المعركة الحقيقية لن تخاض في التصريحات، بل في ميزانيات الدفاع، واتفاقيات التعدين، والمعاهدات الدولية، والمناورات مثل “مقاومة القطب الشمالي”. فالجليد يذوب، والطرق تتفتح، والوقت لتحديد قواعد اللعبة يضيق.

روسيا

مقالات ذات صلة