حرب النفط: واشنطن تشد الخناق على فنزويلا وتثير تساؤلات حول نواياها
تصعيد أميركي غير مسبوق يستهدف صادرات كاراكاس النفطية، ويجدد الجدل حول أهداف واشنطن الحقيقية من أكبر احتياطيات العالم.


صعّدت الولايات المتحدة ضغوطها على حكومة فنزويلا، مستهدفةً صادراتها النفطية الحيوية بسلسلة من الإجراءات، شملت فرض حصار على ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات التي تبحر من البلاد وإليها.
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وكبار مسؤولي إدارته أن الأهداف المحورية لهذه الحملة تتمثل في وقف تدفق المخدرات غير المشروعة من فنزويلا وإجبار الرئيس نيكولاس مادورو على التخلي عن السلطة.
غير أن تاريخاً طويلاً من هيمنة الشركات الأميركية على إنتاج النفط الفنزويلي، قبل تأميم معظم عملياتها مطلع الألفية، يلقي بظلاله على المشهد. وقد أشار ترمب ونائب رئيس أركان البيت الأبيض ستيفن ميلر إلى أن هذا الماضي يغذي العدوانية الأميركية المتصاعدة. في المقابل، يرى مسؤولون فنزويليون أن النوايا الأميركية لا لبس فيها: السيطرة على احتياطيات النفط الفنزويلية، الأضخم عالمياً.
فيما يلي أبرز ما يجب معرفته عن قطاع النفط الفنزويلي في خضم هذه العملية الأميركية:
ما الإجراءات التي اتخذتها أميركا للحد من صادرات النفط الفنزويلية؟
في العاشر من ديسمبر، اعترضت القوات الأميركية ناقلة نفط وصادرتها قبالة السواحل الفنزويلية. ورغم مزاعم بأن السفينة كانت ترفع علم غيانا، نفت إدارة الملاحة البحرية هناك أي صلة بالناقلة. كانت الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات على هذه الناقلة عام 2022 لدعمها صادرات النفط الإيرانية، وأعلن البيت الأبيض اعتزامه الاحتفاظ بالنفط الموجود على متنها.
كما فرضت واشنطن عقوبات إضافية على ست سفن تنقل النفط الفنزويلي، الأمر الذي دفع بناقلات النفط إلى تجنب الدولة الواقعة في أميركا اللاتينية. وبذلك، يتجاوز عدد الناقلات التي طالتها العقوبات الأميركية المئة، سواء لتورطها في تجارة النفط الفنزويلية أو لتصنيفها ضمن قوائم الإرهاب العالمية.
وفي وقت لاحق، أعلن ترمب فرض حصار على ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات، في خطوة تستهدف المصدر الرئيسي لإيرادات فنزويلا.
وبجانب الإجراءات الرامية للحد من صادرات النفط، نشرت الولايات المتحدة سفناً وطائرات حربية وقوات قرب فنزويلا، ونفذت سلسلة غارات جوية استهدفت قوارب صغيرة في المنطقة، يزعم مسؤولون أميركيون أنها تابعة لعصابات مخدرات. أسفرت هذه الهجمات عن مقتل العشرات، فيما لمّح ترمب إلى إمكانية شن البنتاغون غارات برية في المستقبل.
ما هو تأثير الإجراءات الأميركية الأخيرة؟
شحنت فنزويلا ما يقارب 630 ألف برميل من النفط الخام يومياً في المتوسط هذا العام، وفقاً لبيانات تتبع السفن التي جمعتها بلومبرغ. ومن المرجح أن يؤثر الحصار بشكل مباشر على نحو 500 ألف برميل يومياً من هذا البلد الواقع في أميركا الجنوبية، حسبما أفادت تقارير بلومبرغ نيوز.
وأشارت مذكرة صادرة عن “بلومبرغ إيكونوميكس” إلى أن تزايد خطر المصادرة يجعل من غير المرجح أن يختبر مشغلو ناقلات النفط مدى جدية الولايات المتحدة، أو أن يخاطروا بفقدان سفنهم.
الحصار الأميركي قد يدفع فنزويلا إلى إغلاق آبار النفط خلال أيام
من المحتمل أن يتعطل إنتاج النفط الخام في البلاد قريباً جراء نقص النافتا المستوردة، وهي مادة ضرورية لتحويل النفط الفنزويلي الثقيل إلى سائل صالح للاستخدام التجاري. وقد اضطرت ناقلة تحمل النافتا، كانت متجهة إلى فنزويلا، للعودة أدراجها بعد مصادرة ناقلة أخرى كانت تحمل نفطاً من البلاد.
هل يرجح أن تستولي أميركا على أصول النفط الفنزويلية؟
في أعقاب مصادرة الولايات المتحدة لناقلة النفط، صرحت الحكومة الفنزويلية في بيان: “لقد تكشفت أخيراً الأسباب الحقيقية للعدوان على فنزويلا. لطالما كان الأمر يتعلق بمواردنا الطبيعية، بنفطنا”.
لم تلمّح إدارة ترمب صراحة إلى نية الولايات المتحدة الاستيلاء على أصول النفط الفنزويلية. ويؤكد المسؤولون الأميركيون أن الحملة العسكرية الجارية في منطقة الكاريبي تهدف إلى تعطيل عمليات تهريب المخدرات.
وتوضح الإدارة أن مصادرة ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات ومعاقبة شركات الشحن تقطع مصادر الإيرادات التي تمول جماعات تهريب المخدرات. وقد اتهم ترمب مادورو بتدبير تجارة المخدرات الفنزويلية من أعلى مستويات الحكومة، مشيراً إلى أن “أيامه باتت معدودة”.
لكن ترمب لم يخفِ رغبته في الاستيلاء على النفط الفنزويلي. فقد صرح بأن الحصار المفروض على ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات، المتجهة من وإلى البلاد، سيستمر “إلى حين إعادة جميع النفط والأراضي والأصول الأخرى التي سرقوها منا إلى الولايات المتحدة”. ولم يوضح ترمب ماهية الأراضي و”الأصول الأخرى” التي كان يقصدها.
وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، وصف ميلر المصادرة بأنها ظلم بحق الولايات المتحدة، وكتب: “لقد ساهم عرق الأميركيين وإبداعهم وكدحهم في بناء صناعة النفط في فنزويلا. وكانت مصادرتها الاستبدادية أكبر عملية سرقة مسجلة للثروة والممتلكات الأميركية”.
وفي خطاب ألقاه عام 2023، كان ترمب أكثر صراحة بشأن مطامعه في نفط البلاد. وقال، في إشارة إلى نهاية ولايته الأولى في البيت الأبيض: “عندما غادرت، كانت فنزويلا على وشك الانهيار. كنا سنستولي عليها، وكنا سنحصل على كل ذلك النفط، وكان سيصبح على مقربة منا”.
ما هو وضع صناعة النفط في فنزويلا اليوم؟
انخفض إنتاج النفط الخام في فنزويلا بأكثر من 70% منذ ذروته في أواخر التسعينيات، حين كانت تضخ أكثر من 3.2 مليون برميل يومياً. تحتل فنزويلا اليوم المرتبة 21 فقط بين منتجي النفط عالمياً، ومن المتوقع أن يتجاوز إنتاجها في السنوات المقبلة إنتاج جارتها غيانا، النجمة الصاعدة، بالإضافة إلى الأرجنتين التي كانت تاريخياً منتجاً ثانوياً.
ورغم تدهور القطاع، ما تزال صادرات النفط تشكل المصدر الرئيسي للدخل في فنزويلا، على الرغم من تركيز مادورو على تنويع اقتصادها في السنوات الأخيرة. ويأتي ما لا يقل عن 95% من إيرادات البلاد الخارجية من مبيعات النفط.
ما الذي أدى إلى تدهور صناعة النفط في فنزويلا إلى هذا الحد؟
يعود انهيار قطاع النفط في فنزويلا إلى أوائل الألفية، عندما فرضت الثورة الاشتراكية بقيادة الرئيس الراحل هوغو تشافيز سيطرة الدولة المشددة على هذا القطاع، ما أدى إلى طرد الاستثمارات الأجنبية وتجذير الفساد وسوء الإدارة.
تم تأميم عمليات الحفر المحلية لشركات غربية كبرى، منها “كونوكو فيليبس” و”إكسون موبيل”، إثر تعديل قانوني جعل شركة النفط الحكومية الفنزويلية، “بتروليوس دي فنزويلا” (PDVSA)، المساهم الأكبر في مشاريعها. وغادرت شركات أخرى، مثل “توتال إنيرجيز”، البلاد طواعية.
“شيفرون” توافق على تسليم نسبة من إنتاج النفط في فنزويلا للحكومة
شملت إصلاحات تشافيز تفكيك نظام الجدارة في شركة “بتروليوس دي فنزويلا” وتعيين عدد كبير من الموالين للحزب في الشركة. تلا ذلك سلسلة حوادث طالت خطوط الأنابيب ومنشآت النفط، بما في ذلك انفجار عام 2012 في مجمع مصفاة كاردون، إحدى أكبر المصافي في العالم، ما أدى إلى انهيار الإنتاج وإجبار الدولة العضو في أوبك على استيراد الوقود لتلبية احتياجاتها.
كما لعب الضغط الأميركي دوراً. فقد جعل أكثر من مئة عام من التدخل الأميركي في صناعة النفط الفنزويلية، فنزويلا واحدة من أقوى حلفاء واشنطن الإقليميين. إلا أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات مالية على شركة النفط الفنزويلية “بتروليوس دي فنزويلا” في عام 2017، وعقوبات تشغيلية في عام 2019. تحظر هذه العقوبات معظم عمليات تجارة النفط والتمويل مع “بتروليوس دي فنزويلا”، مع السماح ببعض الاستثناءات المرخصة.
وقد أدت هذه القيود إلى تدهور مرافق “بتروليوس دي فنزويلا”، التي تعتمد بشكل كبير على التقنية الأميركية التي باتت الشركة ممنوعة من استيرادها.
هل ما تزال شركات نفط أجنبية تعمل هناك؟
نعم، ما تزال شركة “شيفرون”، عملاقة النفط التي تتخذ من هيوستن مقراً لها، تعمل هناك. وهي حائزة على ترخيص أميركي يسمح لها بعمليات مشتركة محدودة مع “بتروليوس دي فنزويلا” لإنتاج النفط وشحنه إلى مصافي التكرير في الولايات المتحدة وساحل الخليج. وتعد “شيفرون” آخر شركة أميركية كبرى ما تزال تعمل بعد انسحاب شركات أخرى مثل “كونوكو” و”إكسون” و”توتال” و”شل” و”إكوينور”.
كما تتواجد شركات “ريبسول” الإسبانية و”إيني” الإيطالية و”موريه إيه بروم” الفرنسية، وتشارك “بتروليوس دي فنزويلا” في مشاريع النفط والغاز.
وقد أدت العقوبات الأميركية إلى تثبيط عزيمة روسيا والصين، الحليفتين السياسيتين لفنزويلا منذ زمن طويل، عن توسيع شراكاتهما مع “بتروليوس دي فنزويلا”. فنقلت شركة “روسنفت” الروسية الحكومية للنفط أصولها في البلاد إلى شركة بديلة غير خاضعة للعقوبات – في حل قانوني بديل – بينما حافظت شركة “تشاينا ناشيونال بيتروليوم” المملوكة للدولة على وجود محدود في البلاد خلال السنوات الأخيرة.
ما هي أكبر الدول المستوردة للنفط الخام الفنزويلي؟
تعد الصين أكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي بفارق كبير. وتُصدر فنزويلا النفط إلى الصين عبر ما يُعرف بأسطول “السفن الأشباح” التي تخفي مصدر النفط لتجنب العقوبات. وتشتري الصين النفط الفنزويلي عبر مصافي تكرير مستقلة، تُعرف باسم “مصافي الشاي”، وتتركز معظمها في مقاطعة شاندونغ الصينية.
إضافة إلى ذلك، تلبي أنواع النفط الثقيلة الفنزويلية الطلب المحدد على النفط الخام الثقيل المستخدم في صناعة الأسفلت بالولايات المتحدة، حيث جُهزت بعض المصافي خصيصاً لمعالجة هذا النوع من النفط.
هل سترتفع أسعار النفط إذا شنت أميركا هجوماً على فنزويلا؟
على الأرجح لا. يقول فرانسيسكو مونالدي، مدير سياسات الطاقة في أميركا اللاتينية بمعهد بيكر للسياسات العامة بجامعة رايس: “إن الهجمات المنفردة على مواقع تهريب المخدرات، مثل مهابط الطائرات أو المختبرات، سيكون لها تأثير ضئيل على الأسعار. سيستوعب السوق هذا التأثير بسرعة”.
ويعود هذا الاستيعاب المحتمل إلى مساهمة فنزويلا الضئيلة في السوق العالمية، إذ لا تتجاوز حصتها 1% من الإنتاج العالمي، وإلى فائض النفط الخام العالمي الذي يتوقعه المحللون.











