اقتصاد

معهد التخطيط القومي: 65 عامًا من الريادة الفكرية ورسم ملامح التنمية المصرية

احتفالية كبرى تستعرض إرثًا عريقًا ودورًا محوريًا في دعم رؤية مصر 2030

صحفية في منصة النيل نيوز بقسم الاقتصاد، تهتم بتغطية قضايا التنمية والتجارة المحلية والعربية

في حدث يعكس عمق الأثر والتاريخ العريق، احتفى معهد التخطيط القومي بمرور خمسة وستين عامًا على تأسيسه، في احتفالية كبرى استضافها مقر المعهد. وقد حظي هذا التجمع بحضور رفيع المستوى، تقدمته الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي ورئيس مجلس إدارة المعهد، إلى جانب الدكتور أشرف العربي، رئيس المعهد الحالي. كما شهدت الفعالية مشاركة لافتة من قامات سياسية واقتصادية، شملت رئيسي وزراء مصر الأسبقين، المهندس إبراهيم محلب والمهندس عصام شرف، ووزراء حاليين مثل الدكتور أشرف صبحي (الشباب والرياضة) والدكتور شريف فاروق (التموين والتجارة الداخلية)، بالإضافة إلى السفير شريف كامل (مساعد وزير الخارجية للشئون الاقتصادية)، وخبراء دوليين كالدكتور جيمي بوكس من تحالف القطاع العام المحلي، ونخبة واسعة من المسؤولين السابقين، وأعضاء هيئة التدريس، والباحثين، مما يؤكد المكانة المحورية للمعهد كمركز فكر وطني وإقليمي.

خلال كلمتها الافتتاحية، لم تكتفِ الدكتورة رانيا المشاط بالتعبير عن سرورها بالمشاركة في هذا التجمع المرموق، بل أكدت على الدور الاستراتيجي الذي يضطلع به معهد التخطيط القومي. وصفت الوزيرة المعهد بأنه “الذراع العلمي والبحثي” لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، مشددة على مكانته كصرح علمي رائد في مجال التخطيط التنموي، ليس فقط على الصعيد الوطني بل يمتد تأثيره ليشمل المستويين العربي والإقليمي، مما يجعله مرجعًا أساسيًا في صياغة الرؤى التنموية.

لم يغب عن كلمة الوزيرة توجيه الشكر والتقدير للدكتور أشرف العربي وفريق عمل المعهد، مثنية على جهودهم الدؤوبة في صون مكانة المعهد وتطوير أدائه، وكذلك على التنظيم المتقن للاحتفالية. وأوضحت المشاط أن هذه المناسبة ليست مجرد احتفال بمرور زمن، بل هي تجسيد لمسيرة حافلة بالعطاء البحثي والتنموي، حيث رسخ المعهد نفسه كمنارة فكرية وركيزة لا غنى عنها لعمليات التخطيط. لقد أثبت المعهد قدرته على أن يكون جسرًا حيويًا يربط بين الأبحاث الأكاديمية العميقة وصناعة السياسات الفعالة، مساهمًا بذلك على مدى عقود في إعداد الكوادر المتخصصة ودعم مساعي الدولة المصرية نحو تحقيق تنمية مستدامة وشاملة.

وفي سياق استعراضها لتاريخ المعهد، توقفت الوزيرة عند ذكر أسماء لامعة من رواد التخطيط الذين وضعوا اللبنات الأساسية لمسيرته. أشارت إلى المؤسس الأستاذ الدكتور إبراهيم حلمي عبد الرحمن، والأستاذ الدكتور إسماعيل صبري عبد الله، والأستاذ الدكتور محمد محمود الإمام، وصولًا إلى القامة الوطنية الأستاذ الدكتور كمال الجنزوري، رئيس وزراء مصر الأسبق. وأكدت المشاط أن إسهامات هؤلاء الرواد لم تكن مجرد إنجازات فردية، بل كانت بمثابة دعائم فكرية ومهنية رسخت قيمًا جوهرية كالإخلاص، والتجرد في خدمة الوطن، والانفتاح على مختلف المدارس الفكرية والخبرات العالمية في مجال التنمية.

مؤكدة على استمرارية الإرث، شددت الوزيرة على أن شعلة العطاء لا تزال متقدة بفضل جهود الخبراء والباحثين والأساتذة الحاليين بالمعهد، ومجالس إداراته المتعاقبة، معتبرة إياهم “رأس المال الفكري الحقيقي” الذي يدفع عجلة التنمية. وأشارت إلى أن المعهد، منذ تأسيسه في مطلع الستينيات، لم يكن مجرد متلقٍ للتطورات، بل كان شريكًا فاعلًا في مواكبة وتشكيل تطور فكر وأدوات التخطيط الوطني، مقدمًا إسهامات جوهرية أثرت العمل التخطيطي في مصر، وامتد تأثيرها الإيجابي ليشمل العديد من الدول العربية والأفريقية.

استعرضت الدكتورة المشاط بإيجاز المحطات الرئيسية في رحلة المعهد، بدءًا من لحظة تأسيسه في عام 1960 كأول صرح متخصص في البحث والتدريب بقضايا التخطيط والتنمية على مستوى المنطقة العربية والشرق الأوسط. وتطرقت إلى كيفية تفاعله مع التحولات الاقتصادية الكبرى في السبعينيات، ثم تبنيه وتطويره لمفهوم التنمية البشرية الذي برز بقوة في التسعينيات مع إطلاق سلسلة التقارير الدولية للتنمية البشرية. كما أشارت إلى التوسع الملحوظ في أنشطته البحثية والتدريبية مع دخول الألفية الجديدة، وصولًا إلى نقطة تحول مفصلية تمثلت في إصدار القانون الجديد للمعهد عام 2015، والذي جاء بدعم ورعاية مباشرة من السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، بهدف تعزيز مكانة مراكز الفكر والبحث العلمي كركيزة أساسية لدعم اتخاذ القرارات الرشيدة.

هذا القانون الجديد، بحسب الوزيرة، لم يكن مجرد تعديل إجرائي، بل كان دفعة قوية رسخت مكانة المعهد كمركز رائد على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي في مجالات البحث والتدريب والتعليم المتخصصة في قضايا التنمية والتخطيط. وأضافت أن دوره لم يقتصر على ذلك، بل امتد ليشمل دعمًا مباشرًا لعملية صنع السياسات، ونشر المعرفة العلمية المتخصصة، ورفع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية التخطيط كأداة حيوية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

لم يغفل المعهد عن تطوير ذاته داخليًا، فقد أشارت المشاط إلى الجهود المتواصلة لتحسين أدائه المؤسسي عبر صياغة خطط استراتيجية متتالية. وقد تضمنت هذه الجهود مواءمة شاملة لأدائه مع أرقى معايير الجودة العالمية، مما أهّله للانضمام إلى التصنيفات الدولية المرموقة لمراكز الفكر. كما توجت هذه المساعي بحصوله على شهادات جودة (ISO) متعددة، وهو ما يبرهن على التزامه الراسخ بالتميز والتحديث المستمر في كافة جوانب عمله.

في سياق متصل، أكدت الوزيرة أن الدور التنموي للمعهد قد اكتسب زخمًا متزايدًا في الآونة الأخيرة، بالتزامن مع إطلاق استراتيجية التنمية المستدامة: رؤية مصر 2030، وما تبعها من خطط متوسطة المدى وسنوية، بالإضافة إلى تدشين السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية. وأشادت المشاط بشكل خاص بالدور المحوري الذي لعبه رئيس المعهد في قيادة الحوار المجتمعي الفعال حول قضايا التخطيط الإقليمي وتوطين التنمية، وهو ما يمثل جزءًا لا يتجزأ من السردية الوطنية الجارية للتنمية الاقتصادية في مصر.

ولم يقتصر تأثير المعهد على الداخل، فقد أشارت الوزيرة إلى الشراكات الاستراتيجية المثمرة التي نسجها مع منظمات دولية بارزة، مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. هذه الشراكات لم تسفر فقط عن إصدارات وتقارير بحثية رائدة، بل أكدت المشاط أن مجمل الأنشطة البحثية والاستشارية للمعهد قد قدمت دعمًا حيويًا لجهود الدولة في كافة مراحل دورة التنمية، من إعداد الخطط والبرامج إلى تنفيذها وتقييمها. كما ساهم المعهد بفاعلية في بناء القدرات التخطيطية لمختلف مؤسسات الدولة، فضلًا عن القطاعين الخاص والأهلي، مما يعزز القاعدة المعرفية والمهارية للتنمية في مصر.

اختتمت الدكتورة رانيا المشاط كلمتها بتوجيه تحية خاصة وتقدير عميق لأعضاء الجهازين العلمي والإداري بالمعهد، مثمنة جهودهم. وعبرت عن تطلعها إلى استمرار دعم مسيرة المعهد الزاخرة بالإنجازات، مؤكدة على ضرورة مواصلة التطوير والتحديث لضمان إسهامه الفعال في تحقيق رفعة مصر وتقدمها. وجددت الوزيرة شكرها لرئيس المعهد وفريق العمل، متمنية لهم دوام التوفيق والنجاح في مهامهم المستقبلية.

بدوره، افتتح الدكتور أشرف العربي، رئيس معهد التخطيط القومي، فعاليات الاحتفالية بكلمة أكد فيها أن هذا التجمع يمثل تتويجًا لخمسة وستين عامًا من العمل الدؤوب. وأشار العربي إلى أن المعهد، منذ بداياته في مطلع الستينيات، قد سطر حقبة مضيئة في تاريخ التخطيط الوطني المصري، مواكبًا كافة التطورات في أدوات وأساليب التخطيط والخبرات المتراكمة. وشدد على أن المعهد، بصفته أول مركز فكر متخصص في قضايا التخطيط والتنمية على المستويين الوطني والإقليمي، قد أسهم بنصيب وافر في إثراء الفكر والعمل التنموي، ليس فقط في مصر بل في الدول العربية والأفريقية على وجه الخصوص.

وأوضح الدكتور العربي أن أهمية المعهد تزايدت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، تزامنًا مع إطلاق استراتيجية التنمية المستدامة: رؤية مصر 2030 وتحديثاتها، والخطط متوسطة المدى والسنوية المرتبطة بها، وصولًا إلى تدشين الإصدار الأول للسردية الوطنية للتنمية الاقتصادية. وأكد أن المعهد يقدم دعمًا شاملاً لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي في جميع مراحل إعداد وتنفيذ الاستراتيجيات، وتطوير آليات المتابعة والتقييم الخاصة بها. وفي خطوة موازية، بادر المعهد بإطلاق برامج أكاديمية ومهنية متخصصة في التخطيط والتنمية، والمتابعة والتقييم، بهدف بناء وتأهيل كوادر وطنية محترفة قادرة على قيادة مجالات التنمية المستدامة المتنوعة ضمن مؤسسات الدولة المختلفة.

واختتم الدكتور العربي كلمته بالتأكيد على أن القيمة الجوهرية لمعهد التخطيط القومي لم تنشأ من فراغ، بل هي نتاج لدعمه المستمر والفاعل لتجربة التخطيط التنموي في مصر. لقد رافق المعهد هذه التجربة في كافة مراحل تطورها وتحولاتها، بدءًا من انطلاق الخطة الخمسية الأولى في ستينيات القرن الماضي (1960-1965)، مرورًا بإطلاق وتطبيق استراتيجية التنمية المستدامة: رؤية مصر 2030 وتحديثاتها، وصولًا إلى إطلاق وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي للإصدار الأول للسردية الوطنية للتنمية الاقتصادية، مما يجعله شريكًا أصيلًا في كل إنجاز تنموي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *