التضخم في المغرب.. هدوء حذر يسبق قرارات حاسمة
بعد موجة غلاء عنيفة.. هل نجح المغرب في ترويض الأسعار نهائيًا؟

في مشهد يبعث على بعض الارتياح للمواطن المغربي، سجل معدل التضخم ارتفاعًا طفيفًا بالكاد يُذكر في أكتوبر الماضي، ليقف عند 0.1% على أساس سنوي. هذا الرقم، الذي قد يبدو بسيطًا، يحمل دلالة عميقة؛ فهو المستوى الأدنى الذي يشهده الاقتصاد المغربي منذ مارس 2021، ما يشير إلى أن موجة الغلاء العاتية التي ضربت البلاد بدأت تفقد زخمها بشكل واضح.
غذاء وأسعار
تُرجع المندوبية السامية للتخطيط هذا الاستقرار النسبي إلى معادلة تبدو بسيطة ولكنها مؤثرة: انخفاض أسعار المواد الغذائية بنسبة 0.3%، قابله ارتفاع طفيف في أسعار المواد غير الغذائية بنحو 0.4%. هذه الديناميكية هي التي أبقت المؤشر العام للأسعار في نطاق ضيق ومسيطر عليه، وهو أمر إيجابي في ظل التقلبات الاقتصادية العالمية. ببساطة، ما يهم جيب المواطن مباشرةً بدأ يهدأ.
المحرك الداخلي
الأهم من الرقم الرئيسي هو ما تكشفه البيانات عن التضخم الأساسي، الذي يستبعد السلع الأكثر تقلبًا. هذا المؤشر سجل انخفاضًا بنسبة 2.0%، وهو تحول لافت بعد استقراره في الشهر السابق. يرى محللون أن هذا الانخفاض دليل على أن الضغوط السعرية النابعة من الطلب الداخلي بدأت تضعف، ما يمنح صانعي السياسة النقدية مساحة أكبر للمناورة دون القلق من انفلات الأسعار مجددًا.
قرار مرتقب
تتجه الأنظار الآن إلى اجتماع بنك المغرب المركزي في 16 ديسمبر المقبل. فبعد أن أبقى البنك على سعر الفائدة الرئيسي عند 2.25% في اجتماعه الأخير، تأتي هذه الأرقام لتعزز موقفه. فالهدوء الحالي في جبهة التضخم، الذي بلغ ذروته عند 6.6% في 2022، يمنح البنك المركزي رفاهية التفكير في دعم النمو الاقتصادي الذي تأثر بضعف سوق العمل والتحديات الخارجية.
نظرة مستقبلية
يتوقع بنك المغرب المركزي أن ينهي العام الحالي بمتوسط تضخم عند 1%، وهو مستوى شبه مستقر مقارنة بالعام الماضي، قبل أن يتسارع بشكل طفيف إلى 1.9% العام المقبل. هذه التوقعات، إن صحت، تعني أن المغرب قد نجح في عبور أصعب مراحل الأزمة التضخمية العالمية، لكن التحدي القادم سيكون تحقيق التوازن الدقيق بين السيطرة على الأسعار وتحفيز الاقتصاد.
في المحصلة، يبدو أن الاقتصاد المغربي قد التقط أنفاسه بعد عامين من الضغوط الشديدة. الهدوء الحالي ليس مجرد أرقام، بل هو بصيص أمل للمستهلكين وصانعي السياسات على حد سواء، لكن الحذر يبقى مطلوبًا في عالم لا يزال يموج بالاضطرابات.







