المدفوعات الرقمية في مصر: البنك المركزي يرسم ملامح مستقبل بلا نقود
مصر تقتحم عالم المدفوعات الرقمية بخطى ثابتة

في خطوة تعكس التزامًا متزايدًا بالتحول الرقمي، كشف البنك المركزي المصري عن أرقام لافتة في قطاع المدفوعات الرقمية، مؤكدًا أن البلاد تسير بخطى حثيثة نحو مجتمع أقل اعتمادًا على النقد. هذه الأرقام، التي أعلنها محمد عامر، القائم بأعمال وكيل المحافظ، خلال مؤتمر PAFIX، لا تروي قصة نمو فحسب، بل ترسم ملامح مستقبل اقتصادي جديد، وهو ما يبعث على التفاؤل بمستقبل أكثر سهولة وشمولية للمواطنين.
في سياق متصل بتعزيز البنية التحتية للمدفوعات الرقمية، أعلن البنك المركزي عن استكمال تفعيل خدمات ترميز البطاقات على أنظمة Android، في خطوة توسعية تهدف إلى زيادة نطاق الاستخدام داخل السوق المصري. هذا التطور يأتي بعد نجاح لافت لخدمة الدفع اللاتلامسية عبر الهواتف الذكية من خلال Apple Pay، التي سجلت أكثر من 40 مليون معاملة بقيمة تجاوزت 32 مليار جنيه مصري منذ إطلاقها في ديسمبر 2024 وحتى يونيو 2025. يبدو أن المستهلك المصري بات أكثر انفتاحًا على التحلل من قيود الكاش، وهو ما يعكس ثقة متزايدة في هذه التقنيات.
أرقام قياسية
وفي كلمته على هامش افتتاح المؤتمر والمعرض الدولي الثاني عشر للمدفوعات الرقمية والشمول المالي والبنوك الرقمية “PAFIX”، أكد محمد عامر، القائم بأعمال وكيل المحافظ لقطاع العمليات المصرفية ونظم الدفع، أن منظومة «ميزة» الوطنية للبطاقات، التي وفرت وسيلة دفع مصرية آمنة وسهلة، شهدت إصدار أكثر من 43.5 مليون بطاقة حتى يونيو 2025. وأضاف أن شبكة المدفوعات اللحظية وتطبيق «إنستاباي» أحدثا نقلة نوعية في سرعة وكفاءة التحويلات المالية، متجاوزين 16 مليون عميل ونحو 1.1 مليار معاملة بقيمة 2.4 تريليون جنيه حتى نفس الفترة. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي شهادة على تغيير حقيقي في سلوكيات الدفع.
محافظ ذكية
ولم يغفل عامر الإشارة إلى محافظ الهاتف المحمول «ميزة ديجيتال»، التي أسهمت في وصول عدد المحافظ الإلكترونية إلى 55.5 مليون محفظة، مسجلةً نحو 1.4 مليار معاملة بإجمالي تجاوز 1.8 تريليون جنيه حتى يونيو 2025. كما برز دور الخدمات المصرفية عبر الإنترنت والهاتف المحمول، التي أثبتت أهميتها القصوى خلال جائحة كورونا، بوصول عدد مشتركيها إلى نحو 18 مليون مشترك وتنفيذ 114 مليون معاملة بقيمة 11.7 تريليون جنيه مصري بنهاية 2024. تُظهر هذه الأرقام أن التحول الرقمي لم يكن رفاهية، بل ضرورة ملحة لضمان استمرارية الخدمات المالية.
تحولات عالمية
وأشار عامر إلى أن مؤتمر PAFIX ينعقد في وقت يشهد فيه العالم تحولات غير مسبوقة في القطاع المالي والمصرفي، تقودها تقنيات التكنولوجيا المالية المبتكرة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. هذه التحولات لا تُعيد تشكيل قواعد العمل المالي فحسب، بل البنية التحتية للاقتصاد العالمي بأكمله. فلم يعد التحول الرقمي مجرد تطور تقني، بل أصبح أداة استراتيجية لتحقيق النمو والكفاءة والشفافية، وتعزيز معدلات الشمول المالي. إنها لحظة فارقة في تاريخ القطاع المالي، تتطلب يقظة وتكيفًا مستمرين لمواكبة هذه الوتيرة المتسارعة.
رؤية مستقبلية
وفي قلب هذا التغير، يمضي البنك المركزي المصري بخطى واثقة لمواكبة هذه التحولات العالمية المتسارعة، من خلال تنفيذ استراتيجية شاملة للتحول الرقمي وتطوير نظم وخدمات الدفع الوطنية، وتبني تقنيات التكنولوجيا المالية المبتكرة. هذا التوجه يعزز من كفاءة البنية التحتية للخدمات المالية الرقمية وجهود الشمول المالي، ويقود البلاد نحو مجتمع أقل اعتمادًا على النقد وأكثر استعدادًا لمستقبل الاقتصاد الرقمي. وأكمل عامر: «انطلاقًا من رؤيتنا بأن التطوير رحلة متواصلة، قطع البنك المركزي شوطًا كبيرًا في تنفيذ مشروع التعرف على هوية العملاء إلكترونيًا “eKYC”، والذي يعد ركيزة أساسية لبناء هوية مالية رقمية وطنية، تتيح تقديم الخدمات المصرفية إلكترونيًا بسهولة وأمان، وتفتح آفاقًا جديدة أمام المواطنين للوصول إلى الخدمات المالية دون الحاجة للتواجد الفعلي بفروع البنوك». هذه الرؤية الطموحة تعكس فهمًا عميقًا لتحديات العصر ومتطلباته.
الذكاء الاصطناعي
وقد أدرك البنك المركزي مبكرًا أن التكنولوجيا المالية هي المحرك الرئيسي للتغيير في القطاع المصرفي، وأن تطبيقات الذكاء الاصطناعي ستكون كلمة السر في مستقبل الخدمات المالية. في ضوء ذلك، أطلق البنك في عام 2019 استراتيجية التكنولوجيا المالية والابتكار، التزامًا بتحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار من جهة، وضمان الاستقرار المالي وحماية حقوق العملاء من جهة أخرى. كما يتبنى البنك نهجًا متوازنًا يهدف إلى الاستخدام المسؤول لتقنيات الذكاء الاصطناعي، من خلال وضع الأطر والمعايير التي تضمن توظيفها بأمان وكفاءة، في ظل التطورات المتسارعة في هذا المجال. إنها معادلة صعبة، لكنها ضرورية لضمان مستقبل مالي آمن ومبتكر.
تقييم ائتماني
وامتدادًا لهذا التوجه، قام البنك المركزي بالتعاون مع شركة I-Score بتطوير نموذج التقييم الائتماني السلوكي باستخدام البيانات البديلة وتقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي. يهدف هذا المشروع إلى ابتكار أدوات تصنيف ائتماني أكثر مرونة وملائمة لمتطلبات العملاء، على النحو الذي يعمل على توسيع قاعدة العملاء المستفيدين من التمويل، ويعزز معدلات الشمول المالي في السوق المصري. هذه المبادرات تفتح أبوابًا كانت موصدة أمام الكثيرين، وتُسهم في دمجهم ضمن المنظومة المالية الرسمية.
رقابة مصرفية
واتساقًا مع هذه الرؤية، يواصل البنك جهوده لتوظيف التكنولوجيا في دعم منظومة الرقابة المصرفية، حيث يعمل على تطوير أنظمة التكنولوجيا الإشرافية (SupTech) لتصبح أكثر كفاءة ودقة. يعتمد ذلك على أدوات التحليل المتقدم للبيانات، بما يتيح مراقبة الأنشطة المصرفية واتخاذ القرارات في الوقت الفعلي، وهو ما يعزز سلامة واستقرار النظام المصرفي ككل. فالابتكار لا يكتمل إلا بحماية قوية ومراقبة دقيقة تضمن استدامة النمو.
في الختام، تُظهر الأرقام والإعلانات الصادرة عن البنك المركزي المصري التزامًا راسخًا بالتحول نحو اقتصاد رقمي شامل. إن هذه الجهود، التي تتراوح بين تفعيل خدمات الدفع الجديدة وتطوير أطر تنظيمية للذكاء الاصطناعي، لا تعزز كفاءة المعاملات المالية فحسب، بل تفتح آفاقًا واسعة للشمول المالي، وتضع مصر في مصاف الدول الرائدة إقليميًا في تبني الابتكار المالي. يبقى التحدي في ضمان وصول هذه الخدمات إلى جميع شرائح المجتمع، مع الحفاظ على الأمان والثقة في هذا المسار الواعد.






