اقتصاد

قمة المناخ في البرازيل: طموحات خضراء في مواجهة واقع الوقود الأحفوري

كوب 30.. كيف تعكس معضلة البرازيل بين حماية الأمازون والتنقيب عن النفط أزمة المناخ العالمية؟

محررة اقتصادية في منصة النيل نيوز، متخصصة في رصد المؤشرات الاقتصادية وصياغتها بلغة واضحة للجمهور

تتجه أنظار العالم نحو مدينة بيليم البرازيلية، التي تستعد لاستضافة قمة المناخ “كوب 30” في نوفمبر 2025، في حدث لا يمثل مجرد اجتماع دولي روتيني، بل اختبار حقيقي للإرادة العالمية في مواجهة التغير المناخي. وتأتي استضافة البرازيل للقمة لتجسد بشكل صارخ التناقضات التي تعصف بالجهود المناخية العالمية، فهي الدولة التي تحتضن رئة العالم، غابات الأمازون، وفي الوقت ذاته تسعى لتوسيع أنشطتها في مجال الوقود الأحفوري.

معضلة برازيلية.. برؤية عالمية

يطرح الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا رؤية طموحة تتعهد بإنهاء إزالة الغابات، بل وعكس مسارها، مقترحًا إنشاء صندوق دولي لمكافأة الدول التي تحافظ على غاباتها. لكن هذه التعهدات الخضراء تصطدم بواقع اقتصادي مغاير، حيث حصلت شركة الطاقة الوطنية “بتروبراس” على تراخيص للتنقيب عن النفط بالقرب من مصب نهر الأمازون، في خطوة يبررها لولا بأنها ضرورية لتمويل “التحول الطاقي الذي نحلم به”.

هذه الازدواجية لا تقتصر على البرازيل، بل تعكس معضلة عالمية تواجهها العديد من الدول النامية التي تجد نفسها ممزقة بين ضرورة تحقيق النمو الاقتصادي وتلبية احتياجات شعوبها، وبين الالتزامات المناخية الملحة. ويرى مراقبون أن نجاح قمة المناخ كوب 30 سيعتمد بشكل كبير على قدرة العالم على إيجاد صيغة تمويلية عادلة تساعد هذه الدول على تحقيق التحول الأخضر دون التضحية بفرص التنمية.

سباق مع الزمن في كوكب يغلي

تنعقد القمة في وقت لم يعد فيه التغير المناخي مجرد تهديد مستقبلي، بل واقع ملموس تترجمه الفيضانات المدمرة وموجات الجفاف والحرائق التي تضرب كل ركن من أركان الكوكب. فالعام الماضي كان الأشد حرارة على الإطلاق، حيث تم تجاوز عتبة الـ 1.5 درجة مئوية التي حددها اتفاق باريس، وهو ما يصفه العلماء بأنه “جرس إنذار أخير” قبل الوصول إلى نقاط تحول لا رجعة عنها، مثل انهيار النظم البيئية للشعاب المرجانية أو تراجع غابات الأمازون بشكل حاد.

إضافة طاقية أم تحول حقيقي؟

على الرغم من الاستثمارات القياسية في قطاع الطاقة النظيفة التي تجاوزت تريليوني دولار في عام 2024، يسود قلق متزايد من أن العالم لا يشهد “تحولًا طاقيًا” حقيقيًا بقدر ما يشهد “إضافة طاقية”. فمصادر الطاقة المتجددة المتنامية لا تحل محل الوقود الأحفوري بالسرعة الكافية، بل تساهم في تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء، مدفوعًا بتحسن مستويات المعيشة وتوسع مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، ما يبقي على مستويات الانبعاثات الكربونية مرتفعة بشكل خطير.

على طاولة المفاوضات: المال والطموح

سيجتمع ممثلو نحو 200 دولة في بيليم تحت ضغط هائل لسد الفجوة بين الخطط الحالية لخفض الانبعاثات وما هو مطلوب علميًا. وتتمحور الأجندة حول قضيتين رئيسيتين: الأولى هي رفع سقف الطموح في خطط خفض الانبعاثات الوطنية، والثانية، وهي الأكثر حساسية، تتعلق بـ تمويل المناخ. وتقترح الرئاسة البرازيلية هدفًا جديدًا لتوفير 1.3 تريليون دولار سنويًا للدول النامية بحلول 2035، وهو رقم ضخم يعكس حجم التحدي، ولكنه سيشكل نقطة خلاف رئيسية بين الدول المتقدمة والنامية.

بحسب الدكتور حسن عبدالله، الخبير في السياسات البيئية، فإن “الدولة المضيفة لم تعد مجرد منظم للحدث، بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا يحدد سقف الطموح ويدير التوازنات الدقيقة بين الأطراف المتنازعة. فنجاح الإمارات في “كوب 28″ في إدراج عبارة ‘التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري’ لأول مرة، يضع على البرازيل مسؤولية البناء على هذا الزخم وترجمته إلى آليات تنفيذ واضحة”.

خاتمة: قمة الفرصة الأخيرة؟

في نهاية المطاف، لن تكون قمة “كوب 30” مجرد محطة أخرى في مسار المفاوضات المناخية الطويل، بل ستكون بمثابة مرآة تعكس صدق النوايا العالمية. فإما أن تنجح في تقديم حلول عملية وجريئة لمعضلة التنمية والبيئة، وتضع العالم على مسار أكثر أمانًا، أو ستتحول إلى شاهد آخر على الفجوة المتسعة بين الوعود المناخية والواقع السياسي والاقتصادي، وهو ما لم يعد الكوكب قادرًا على تحمله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *