منتدى القاهرة يرسم ملامح النظام العالمي الجديد: مصر تستعيد دورها كمنصة للحوار الدولي
في قلب عالم مضطرب، جمع منتدى القاهرة قادة الفكر والسياسة لمناقشة مستقبل الجنوب العالمي، وأزمة أوروبا، ودور مصر في خريطة الاقتصاد الجديدة.

في توقيت بالغ الدلالة، ومع تسارع التحولات التي تعصف بالنظام العالمي، استعادت القاهرة دورها كمنصة محورية للحوار الفكري الرفيع، مستضيفة النسخة الثانية من منتدى القاهرة الذي ينظمه المركز المصري للدراسات الاقتصادية. لم يكن الحدث مجرد مؤتمر، بل شكل استعادة لزخم القوة الناعمة المصرية التي خفتت لعقود، مقدماً مساحة حوار مستقلة جمعت قادة الفكر والسياسة والاقتصاد من مختلف أنحاء العالم.
شهد المنتدى نقلة نوعية هذا العام، ليس فقط بحجم الحضور الدولي الذي ضم شخصيات بارزة مثل الخبير الاقتصادي جيفري ساكس ورئيس وزراء السويد الأسبق ورئيسة ليتوانيا السابقة، بل أيضاً بالدعم الملحوظ من القطاع الخاص المصري، في إشارة إلى تنامي الوعي بأهمية هذه المنصات في تشكيل الرؤى المستقبلية. ويُرجع مراقبون هذا الزخم إلى القيادة الحالية للمركز تحت إدارة الدكتورة عبلة عبد اللطيف، التي نجحت في إعادة وضعه كمنارة فكرية تحظى بتقدير دولي.
أوروبا الحائرة والجنوب الصاعد
عكست أجندة الحوارات الساخنة حالة الانقسام التي يعيشها العالم. فبينما بدت القارة الأوروبية حائرة في جلساتها، وهي تبحث عن دورها بين مطرقة السياسات التجارية الصينية وسندان الحمائية الأمريكية، كان الجنوب العالمي هو العنوان الأبرز. وفي هذا السياق، لخص سانجوي جوشي من مركز “أوبزيرفر” الهندي المشهد بقوله إن سياسات ترامب كانت “هبة من الله”، لأنها دفعت العالم، وأوروبا تحديدًا، للبحث عن “الاستقلال الذاتي الاستراتيجي”.
هذا التحول بدا جليًا في النقاشات حول مستقبل التكتلات الدولية، حيث برزت مجموعة “البريكس” كقوة اقتصادية صاعدة تمثل زخمًا هائلاً، في مقابل نظام متعدد الأطراف يعاني من تآكل واضح. وأكدت كلوديا شموكر من المجلس الألماني للعلاقات الخارجية أن “طريق أوروبا إلى الأمام ليس مع واشنطن أو بكين، بل مع دول الجنوب العالمي”، وهو ما يعكس تحولاً استراتيجيًا في الرؤية الأوروبية.
مصر في قلب الممرات الاقتصادية
لم يغب عن المنتدى الحديث عن خريطة التجارة العالمية الجديدة، خاصة الممرات الاقتصادية التي يعاد تشكيلها. وبرز دعم فرنسي وإيطالي واضح لإشراك مصر في الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. وأكدت أنيتا براكاش، خبيرة الممرات التجارية، أن شراكة الهند والإمارات والسعودية مع دول مثل مصر وتركيا تفتح آفاقًا واعدة لسلاسل توريد إقليمية متكاملة، واصفة مصر بأنها “الدولة المتوسطية النموذجية” ومركز التقاء طبيعي بين القارات.
تحديات التنمية ومعضلة الشرق الأوسط
تناولت الجلسات الفنية تحديات أكثر إلحاحًا، مثل أزمة تمويل التنمية في إفريقيا، حيث أشارت إيلينا بانوفا من الأمم المتحدة إلى أن التمويل الإنمائي مرشح للتراجع بنسبة قد تصل إلى 17% بحلول عام 2025. وفي تعقيبه، قال طارق توفيق، نائب رئيس اتحاد الصناعات، إن التحدي لا يقتصر على نقص التمويل، بل يمتد إلى “تسييس قرارات مؤسسات التنمية”.
وفيما يخص معضلة الشرق الأوسط، رأى الدكتور زياد بهاء الدين أن المنطقة تشهد مزيدًا من العنف مع تصميم إسرائيلي على استغلال الوضع الراهن. وأضاف خالد عز العرب، الأستاذ بالجامعة الأمريكية، أن إسرائيل لا تقدم رؤية لـ”اليوم التالي” لأن “الرؤية الوحيدة المقبولة لديها هي يوم لا يوجد فيه المزيد من الفلسطينيين”، وهو تشخيص يعكس عمق الأزمة وغياب الأفق السياسي.
في المحصلة، تجاوز منتدى القاهرة حدود التشخيص النظري ليقدم رؤى عملية وتحليلات واقعية. لقد أثبت أن مصر قادرة على لعب دور فاعل في الساحة الدولية، ليس فقط كقوة سياسية واقتصادية، بل كجسر للحوار بين عالمين، شمالي يبحث عن بوصلة، وجنوبي يفرض حضوره بقوة على المسرح العالمي.








