مطرقة بروكسل.. هل تتجه جوجل نحو التفكيك لإنهاء هيمنتها الإعلانية؟
في مواجهة تاريخية، تلوّح المفوضية الأوروبية بخيار تفكيك جوجل كحل جذري لإنهاء سيطرتها على سوق الإعلانات الرقمية، وسط ترقب لقرار أمريكي مماثل.

تقف شركة جوجل عند مفترق طرق حاسم في مواجهتها مع المفوضية الأوروبية، حيث لا يقتصر الأمر على مجرد غرامة مالية، بل يمتد إلى تهديد وجودي يتمثل في احتمالية تفكيك أجزاء من إمبراطوريتها الإعلانية. فمع اقتراب المهلة النهائية التي حددتها بروكسل، تتجه الأنظار نحو الخطة التي ستقدمها الشركة للرد على اتهامات الهيمنة غير المشروعة على سوق الإعلانات الرقمية، في قضية قد تضع سابقة تاريخية في تنظيم الأسواق الرقمية.
سابقة أوروبية.. التفكيك خيار على الطاولة
للمرة الأولى بشكل صريح، تضع السلطات التنظيمية في بروكسل خيار “العلاج الهيكلي” على الطاولة، وهو مصطلح قانوني يعني إجبار الشركة على بيع جزء من أصولها. يرى مراقبون أن هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الغرامات المالية، مهما بلغت قيمتها، لم تعد رادعًا كافيًا لكبح جماح الممارسات الاحتكارية لعمالقة التكنولوجيا. فبدلاً من معالجة الأعراض، تسعى المفوضية هذه المرة إلى استئصال ما تعتبره “تضارب مصالح متأصل” في بنية عمل جوجل الإعلانية.
وصفت آن فيت، أستاذة قانون المنافسة، هذا الإجراء بأنه “استثنائي للغاية” وأشبه بـ”المطرقة الثقيلة”، مشيرة إلى أن المفوضية تركت الكرة في ملعب جوجل لتقترح حلاً، لكنها أوضحت ضمنيًا أن أي مقترح لا يشمل بيع أصول جوهرية في قطاع تكنولوجيا الإعلانات (Adtech) قد لا يكون كافيًا. هذا الموقف يضع الشركة الأمريكية بين خيارين أحلاهما مر: إما التفكيك الطوعي، أو مواجهة قرار تفكيك قسري قد يصدر لاحقًا.
جبهة قضائية مزدوجة وضغط عبر الأطلسي
ما يزيد من تعقيد موقف جوجل هو أن هذا التحرك الأوروبي لا يأتي معزولاً، بل يتزامن مع دعوى قضائية مماثلة رفعتها وزارة العدل الأمريكية. هذا التقاطع في التحقيقات عبر الأطلسي يشكل جبهة ضغط مزدوجة تضيق الخناق على الشركة، ويمنح بروكسل جرأة أكبر للمضي قدمًا في خياراتها الصارمة. فالتوافق بين أكبر اقتصادين في العالم على تشخيص المشكلة يضعف من قدرة الشركة على المناورة أو تصوير القضية على أنها استهداف أوروبي للشركات الأمريكية.
بحسب محللين، فإن “تزامن القضايا يمثل فرصة ذهبية للسلطات التنظيمية لفرض حلول جذرية لم تكن ممكنة قبل سنوات”، كما تقول كوري كرايدر، المديرة التنفيذية لمعهد (Future of Tech Institute). فسيطرة جوجل على سلسلة القيمة الإعلانية بأكملها، من أدوات الناشرين إلى منصات المعلنين وسوق المزادات، يشبه، كما وصفت وزارة العدل الأمريكية، “امتلاك بنك استثماري لبورصة نيويورك نفسها”، وهو وضع يهدد أسس المنافسة الحرة.
مستقبل الصحافة على المحك
تتجاوز القضية أبعادها الاقتصادية والقانونية لتلامس أزمة وجودية تواجه قطاع الإعلام. فالناشرون والمؤسسات الصحفية، التي تعاني بالفعل من تراجع الإيرادات، تجد نفسها في مواجهة عملاق يلتهم حصة متزايدة من عائدات الإعلانات الرقمية. وتتهم هذه المؤسسات جوجل باستغلال سيطرتها لفرض شروط غير عادلة وخفض نصيبها من الأرباح، مما يهدد استدامة الصحافة المهنية وقدرتها على أداء دورها المجتمعي.
وفي هذا السياق، تؤكد النائبة في البرلمان الأوروبي، ألكسندرا جيزي، أن القضية “ليست مجرد مسألة منافسة، بل تتعلق بمستقبل الصحافة”، حيث تتحكم خوارزميات جوجل في تدفق المعلومات وفي الإيرادات التي يعتمد عليها الناشرون للبقاء. هذا البعد الاجتماعي يمنح القضية زخمًا سياسيًا وشعبيًا قد يدفع المنظمين لاتخاذ قرارات أكثر حسمًا.
خاتمة: قواعد جديدة لعالم رقمي متغير
في نهاية المطاف، تبدو جوجل أمام واقع جديد لم تعد فيه قدرتها على مقاومة الضغوط التنظيمية كما كانت في السابق. ورغم تأكيدها على استئناف القرار ورفضها للاتهامات، إلا أن التوافق الدولي حول ضرورة إعادة هيكلة سوق الإعلانات الرقمية يضعها في موقف دفاعي صعب. إن القرار الذي ستتخذه بروكسل، وما سيصدر عن القضاء الأمريكي، لن يحدد مصير جوجل وحدها، بل سيرسم ملامح العلاقة بين عمالقة التكنولوجيا والسلطات التنظيمية على مستوى العالم لعقد قادم.









