عمالقة النفط يضخون المزيد من الإنتاج رغم ضعف الأسعار
لماذا تزيد شركات النفط إنتاجها في سوق متخمة؟ استراتيجية عمالقة الطاقة تكشف الرهان على المستقبل

في خطوة تبدو متناقضة مع منطق السوق الحالي، تستعد كبرى شركات النفط في العالم للإعلان عن خطط لتسريع وتيرة إنتاج النفط والغاز، وذلك على الرغم من ضعف أسعار الخام عالميًا والزيادة المرتقبة في إمدادات تحالف “أوبك+”. هذه الاستراتيجية تكشف عن رهان طويل الأمد على مستقبل الطلب، وتغيير جذري في أولويات عمالقة الطاقة.
تشير تقديرات المحللين التي جمعتها “بلومبرغ” إلى أن إمدادات شركات مثل “إكسون موبيل”، “شيفرون”، “شل”، “بي بي”، و”توتال إنرجيز” ستشهد نموًا ملحوظًا بنسبة 3.9% هذا العام، مع توقعات بتسارع هذا النمو ليصل إلى 4.7% في عام 2026. هذا التوسع لا يعكس فقط استثمارات سابقة بدأت تؤتي ثمارها، بل يشمل أيضًا مشاريع جديدة وصفقات استحواذ ضخمة تهدف إلى تعزيز مكانة هذه الشركات في سوق الطاقة المستقبلي.
نظرة إلى ما بعد 2030
يكمن المحرك الرئيسي وراء هذه الزيادات في إنتاج النفط في رؤية استراتيجية تتجاوز التقلبات قصيرة الأجل. يعلق نواه باريت، محلل الأبحاث في “جانوس هندرسون”، بأن هذه الشركات “تتبنى نظرة طويلة الأجل مفادها أن الطلب على النفط سيكون أقوى بعد عام 2030”. ويضيف: “إذا لم يضخوا الاستثمارات اليوم، فستكون محافظهم في وضع غير مواتٍ عندما ترتفع الأسعار”. هذا التحليل يفسر لماذا تبدو هذه الشركات مستعدة لتحمل مخاطر تخمة المعروض على المدى القصير، من أجل اقتناص مكاسب أكبر في المستقبل.
بعد سنوات من الأرباح القياسية التي أعقبت جائحة كورونا، بدأت شركات الطاقة الكبرى تشعر بضغط تراجع أسعار الخام، التي انخفضت بنحو 14% هذا العام. وكرد فعل، بدأت هذه الشركات في إعادة ترتيب أولوياتها بشكل حاسم، حيث تقوم بتقليص الوظائف، وخفض الاستثمارات في قطاع الطاقة منخفضة الكربون، وإبطاء وتيرة برامج إعادة شراء الأسهم، لتوجيه السيولة نحو نشاطها الأساسي والأكثر ربحية: إنتاج النفط والغاز.
محركات النمو الثلاثة
يأتي هذا النمو المتوقع في إنتاج النفط من ثلاثة مصادر رئيسية، ترسم ملامح استراتيجية عمالقة الطاقة في المرحلة المقبلة:
- الاستثمارات السابقة: مشاريع تم إطلاقها خلال السنوات الماضية وبدأت الآن مرحلة الإنتاج الفعلي، مثل مشروع “بالمور” التابع لشركة “شيفرون” في خليج المكسيك.
- المشاريع الجديدة: استثمارات حديثة تهدف إلى تطوير حقول جديدة، كمشروع “أوارو” الذي تنفذه “إكسون موبيل” في غيانا، والذي يُعد من أهم مناطق النمو الواعدة عالميًا.
- عمليات الاستحواذ: صفقات ضخمة تهدف إلى ضم شركات قائمة لزيادة الإنتاج بشكل فوري، وأبرزها استحواذ “إكسون” على “بايونير” و”شيفرون” على “هيس”.
هذا التوجه يمثل تناقضًا صارخًا مع فترة الجائحة، حينما أدت حالة عدم اليقين إلى تقليص الإنفاق الرأسمالي وتأجيل المشاريع الكبرى. أما الآن، فإن الرسالة واضحة: الاستثمار في النفط والغاز هو الأولوية لضمان الجاهزية عندما يضيق الفارق بين العرض والطلب حتمًا، وهو ما تتوقع بيتي جيانغ، محللة في “باركليز”، حدوثه في النصف الثاني من 2026 أو 2027.
التحول عن الطاقة النظيفة
في سياق متصل، تقوم شركات الطاقة الكبرى بتقليص جهودها في مجال الطاقة المتجددة، الذي كان يُنظر إليه سابقًا على أنه مستقبل القطاع. فقد أوقفت “بي بي” مشاريع طاقة متجددة وحولت إنفاقها نحو الاستكشاف والإنتاج. كما أعادت “شل” توجيه استثماراتها بعيدًا عن المشاريع منخفضة الكربون، بينما أجلت “توتال إنرجيز” بعض مشاريع الطاقة النظيفة، مشيرة إلى ضغوط التكاليف والعوائد غير المؤكدة.
يدافع المديرون التنفيذيون عن هذه الاستراتيجية باعتبارها نهجًا “واقعيًا”، حيث لا تزال أنشطة استكشاف وإنتاج النفط والغاز تمول الغالبية العظمى من أرباح القطاع، وتحقق عوائد أعلى بكثير من استثمارات الطاقة منخفضة الكربون. ومع استمرار نمو الطلب العالمي على النفط، وإن كان بوتيرة أبطأ، وتباطؤ إنتاج النفط الصخري الأمريكي، ترى هذه الشركات أن تأمين إمدادات مستقبلية من الخام هو الخيار الأكثر أمانًا وربحية.
تحديات التدفقات النقدية
على الرغم من أن زيادة حجم المبيعات ستساعد في تخفيف أثر انخفاض الأسعار على المدى القصير، فإن هذه الاستراتيجية تفرض ضغوطًا على التدفقات النقدية الحرة. وقد بدأت شركات مثل “شيفرون” و”بي بي” بالفعل في إبطاء عمليات إعادة شراء الأسهم للحفاظ على المرونة المالية. ويتوقع المحللون المزيد من الخفض في هذه البرامج حتى عام 2026، ما لم تكن الشركات مستعدة لزيادة مديونياتها.
في الوقت الذي تراهن فيه شركات النفط على المستقبل، فإنها تواجه تحديًا مزدوجًا يتمثل في إدارة تخمة المعروض الحالية مع الحفاظ على ثقة المستثمرين. ومع ذلك، يصف جيمس ويست من “ميليوس ريسيرش” الوضع بأنه “أكثر تخمة نفطية محسوب حسابها في التاريخ”، مشيرًا إلى أن الشركات كانت تستعد لهذا السيناريو منذ فترة، مما قد يخفف من حدة الأزمة المتوقعة في سوق النفط.






