اقتصاد

الأسهم تتوقف قرب القمة والذهب يسجل أكبر تراجع منذ سنوات

تحليل لأسباب تقلبات الأسواق العالمية وتأثير قوة الدولار على المعادن الثمينة وتوقعات وول ستريت

محرر في قسم الاقتصاد بمنصة النيل نيوز، يركز على تحليل الأخبار الاقتصادية

توقفت موجة الصعود القوية التي دفعت الأسهم الأميركية إلى حافة مستويات قياسية، في إشارة على إرهاق المشترين، بينما تلقت أسعار الذهب والفضة ضربة قاسية مع صعود الدولار. يأتي هذا التباين في أداء الأصول ليعكس حالة من إعادة تقييم المخاطر في الأسواق العالمية.

استقرت الأسهم الأميركية عند الإغلاق دون تغيير ملحوظ، حيث أنهى مؤشر “إس آند بي 500” تعاملاته بشكل شبه مستوٍ. ورغم عمليات البيع الأخيرة بدافع الحذر من التوترات التجارية ومخاطر الائتمان، يكشف تحليل “باركليز” أن مستويات الانكشاف على الأسهم لدى صناديق التحوط والمستثمرين التقليديين لا تزال عند أعلى مستوياتها منذ أكثر من عام، مما يعكس ثقة كامنة في السوق.

تحركات متباينة في وول ستريت

لم تكن الصورة موحدة في وول ستريت؛ فبينما سجل مؤشر “داو جونز الصناعي” مستوى قياسياً جديداً مدعوماً بتوقعات إيجابية من شركة “3 إم”، تراجعت أسهم “ألفابت” بعد إعلان “أوبن إيه آي” عن إطلاق متصفح منافس لـ”جوجل”. وزادت من حالة التباين أخبار سلبية من “نتفلكس” حول نزاع ضريبي، وتوقعات متحفظة من “تكساس إنسترومنتس”.

يرى محللون أن السوق دخل مرحلة تجميع قوى بعد الارتفاعات المتتالية. ويوضح كريغ جونسون من “بايبر ساندلر” أن التوقعات الفنية قصيرة المدى تشير إلى فترة من التماسك أو التراجع خلال الأسابيع المقبلة، معتبراً أن هذه التراجعات “صحية وضرورية” لتصحيح مسار السوق قبل مواصلة الصعود.

لماذا انهار الذهب فجأة؟

في سوق السلع، كانت الصدمة الأكبر من نصيب المعادن الثمينة، حيث سجلت أسعار الذهب والفضة أكبر تراجع لها منذ سنوات. جاء هذا الهبوط نتيجة عمليات جني أرباح واسعة بعد أن وصل المعدن الأصفر لمستويات تاريخية، مما أثار مخاوف من تضخم قيمته بشكل مبالغ فيه، خاصة مع قوة الدولار الأميركي الذي يتحرك عكسياً مع الذهب.

تضافرت عدة عوامل لتوجيه هذه الضربة للذهب، أبرزها التفاؤل الحذر بشأن المحادثات التجارية بين الصين والولايات المتحدة، والذي قلل من جاذبية الملاذات الآمنة. كما ساهم انتهاء موجة الشراء الموسمية في الهند، أحد أكبر أسواق الذهب في العالم، في زيادة الضغوط البيعية على المعدن النفيس.

رغم حدة التراجع، يرى فواد رزاق زاده من “سيتي إندكس” أنه من المبكر إعلان نهاية الاتجاه الصاعد للذهب. ويشير إلى أن التصحيحات طبيعية بعد ارتفاعات استثنائية، متوقعاً أن يعود المستثمرون الذين فاتتهم فرصة الصعود للشراء عند المستويات المنخفضة، مما قد يحد من عمق التراجع الحالي.

تقلبات غير مسبوقة للملاذ الآمن

في ظاهرة لافتة، أصبح الاستثمار في الذهب، الذي يُعتبر تقليدياً ملاذاً آمناً، أكثر تقلباً من مؤشر “إس آند بي 500” نفسه، مسجلاً أوسع فارق في التقلب بينهما منذ ذروة جائحة كورونا. هذا التحول يعكس حالة من عدم اليقين العميق في الأسواق، حيث لم تعد السندات الحكومية قادرة على لعب دورها كأداة تحوط فعالة.

هذا الوضع دفع بعض المؤسسات الاستثمارية مثل “باينبريدج إنفستمنتس” إلى إعادة هيكلة محافظها بشكل جذري. فقد رفعت الشركة تعرضها للذهب على حساب سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، مع زيادة حيازاتها من الدولار، في رهان على أن الذهب هو “الأصل الآمن الوحيد المتبقي” في المشهد الحالي.

تفاؤل حذر رغم الضبابية

على الرغم من كل الاضطرابات، لا يزال مؤشر “إس آند بي 500” يحافظ على تماسكه قرب مستوياته القياسية. ويبدو أن المستثمرين يجدون دعماً في تصريحات البيت الأبيض حول مسار المحادثات التجارية مع الصين، بالإضافة إلى نتائج أعمال قوية لبعض البنوك الإقليمية التي خففت من المخاوف المتعلقة بقطاع الائتمان.

يرى مراقبون أن السوق يواصل الصعود على ما يُعرف بـ”جدار القلق”، متجاهلاً سلسلة من الأخبار السلبية والتحذيرات المتكررة. وتتجه الأنظار الآن نحو قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي القادم بشأن أسعار الفائدة، والذي قد يحدد مسار الأسواق في الفترة المقبلة.

النفط والسندات.. علاقة عكسية مؤثرة

في تحليل لافت، يربط المحلل المخضرم إد يارديني بين تراجع أسعار النفط ومستقبل عوائد سندات الخزانة الأميركية. ويتوقع يارديني أن هبوط أسعار خام غرب تكساس سيساهم في خفض معدلات التضخم، مما قد يدفع عوائد السندات لأجل 10 سنوات إلى 3.75% إذا استمر هذا الاتجاه.

هذا السيناريو، إن تحقق، سيمثل دعماً غير مباشر لأسواق الأسهم، حيث أن انخفاض عوائد السندات يجعل الاستثمار في الأسهم أكثر جاذبية بالمقارنة. وتظل العلاقة بين أسعار الطاقة والتضخم وسياسات البنوك المركزية هي المحرك الرئيسي الذي يراقبه المستثمرون في ظل تقلبات الأسواق الحالية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *