مخاوف الائتمان تعصف بوول ستريت والأسهم الأميركية تتراجع

عصفت بـ وول ستريت موجة من القلق، دفعت الأسهم الأميركية إلى التراجع في أسبوع حافل بالتقلبات. جاء الهبوط بعد الكشف عن قروض متعثرة في بنكين إقليميين، مما أعاد إلى الأذهان شبح الأزمة المصرفية وأثار تساؤلات حول متانة الاقتصاد وجودة الائتمان.
قروض متعثرة تطلق شرارة الهبوط
بدأت شرارة الهبوط عندما تحول مؤشر “إس آند بي 500” من الارتفاع إلى الانخفاض، بعد أن كان مدعومًا بتوقعات قوية للطلب على الذكاء الاصطناعي. السبب كان إعلان مصرفين إقليميين عن مشاكل في قروض مرتبطة بادعاءات احتيال، وهو ما غذى المخاوف من ظهور المزيد من الثغرات في الملاءة الائتمانية للمقترضين.
وتكبد سهم “زيونس بانكورب” خسائر بنسبة 13% بعد الكشف عن شطب قرض بقيمة 50 مليون دولار، بينما هوى سهم “ويسترن ألاينس بانكورب” بنسبة 11% لإعلانه عن منح قروض لنفس المقترضين. هذه الحادثة، رغم كونها محصورة حتى الآن، أعادت للأذهان انهيار “بنك وادي السيليكون” قبل عامين ونصف، مما يفسر حالة التوتر التي سادت بين المستثمرين.
تزامنت هذه الاضطرابات مع انهيار مقرض السيارات “تريكولور هولدينغز”، والذي ألحق ضرراً بمصرف عملاق مثل “جيه بي مورغان”، حيث ساهم في شطب خسائر بقيمة 170 مليون دولار. هذا التسلسل يشي بأن مشاكل جودة الائتمان قد لا تكون حوادث فردية، بل مؤشراً على ضغوط أوسع نطاقاً تواجه القطاع المالي.
الذهب والسندات.. ملاذات آمنة
في رد فعل طبيعي على حالة عدم اليقين، لجأ المستثمرون إلى الملاذات الآمنة. انخفض العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى ما دون 4%، بينما سجل الذهب مستوى قياسياً جديداً. يعكس هذا التحول قلق الأسواق من أن تكون مشاكل القروض التجارية مؤشراً على تباطؤ اقتصادي أعمق، مما يدفعهم للبيع أولاً وطرح الأسئلة لاحقاً.
أثر ظهور هذه القروض المتعثرة سلباً على معنويات المستثمرين، خاصة في الأسهم الحساسة ائتمانياً. ففي بيئة اقتصادية تفتقر إلى البيانات الرسمية الواضحة بسبب إغلاق الحكومة الأميركية، تصبح أي إشارة سلبية، مهما كانت صغيرة، ذات تأثير مضاعف على قرارات التداول.
ضبابية المشهد الاقتصادي والسياسي
تزيد التطورات الجيوسياسية من تعقيد المشهد، حيث يراقب المتعاملون عن كثب اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في بودابست. يأتي هذا اللقاء في توقيت حساس، مما يضيف طبقة أخرى من عدم اليقين للأسواق العالمية.
داخلياً، تظل تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي محط اهتمام. فبينما أشار المحافظ كريستوفر والر إلى إمكانية مواصلة خفض أسعار الفائدة تدريجياً، دعا آخرون لخفض أكبر. هذا التباين يعكس النقاش الدائر داخل البنك المركزي حول كيفية الموازنة بين دعم سوق العمل ومواجهة أي مخاطر تضخمية محتملة.
الذكاء الاصطناعي.. السردية القوية الوحيدة
في خضم هذه المخاوف، يظل قطاع الذكاء الاصطناعي هو النقطة المضيئة الأبرز. قفز سهم “أوراكل كورب” بعد توقعات بهوامش ربح قوية، كما أظهرت نتائج “تايوان سيميكونداكتور” أنها من أكبر المستفيدين من موجة الإنفاق الضخمة على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. هذا الزخم يؤكد أن سردية الذكاء الاصطناعي لا تزال المحرك الرئيسي للسوق الصاعدة.
ويشير الخبراء إلى أن الإنفاق المتعلق بالذكاء الاصطناعي لا يزال قوياً، حيث تتسابق كبرى الشركات من “أوبن إيه آي” إلى “أوراكل” لبناء مراكز البيانات العملاقة. هذا الاتجاه، الذي أكدته أيضاً توقعات “إيه إس إم إل هولدينغ”، يمثل تياراً معاكساً للتشاؤم الذي يسود قطاعات أخرى من الاقتصاد.
انقسام بين كبار المستثمرين وصغار المتداولين
يكشف سلوك المستثمرين عن انقسام واضح في السوق. فبينما يواصل المستثمرون الأفراد استراتيجية “شراء كل هبوط”، يميل العملاء المؤسسيون الكبار إلى التحوط وشراء أدوات الحماية من الانخفاض. هذا التباين يعكس اختلافاً في تقييم المخاطر بين الفئتين.
وقد أظهر أحدث استطلاع لرابطة المستثمرين الأفراد الأميركية تراجعاً حاداً في نسبة التفاؤل إلى 33.7%. يرجع هذا الحذر جزئياً إلى موسم الأرباح المقبل والمخاوف من أن تكون التوقعات مفرطة في التفاؤل، في ظل تباطؤ محتمل في سوق العمل والنمو الاقتصادي قد يمثل تحدياً للشركات الصغيرة.






