فيلم الشيطان يدخن: رحلة غامضة بين الإيمان والجنون في الجونة

ضمن فعاليات دورته الثامنة، يستضيف مهرجان الجونة السينمائي فيلم “الشيطان يدخن ويحتفظ بأعواد الثقاب المحترقة في نفس الصندوق”، وهو عمل إثارة نفسية يترك مشاهده معلقًا بين التأويل واللايقين. الفيلم، الذي يمثل التجربة الروائية الطويلة الأولى للمخرج المكسيكي إرنستو مارتينيز بوسيو، يصل إلى الجونة محملاً بجوائز دولية هامة أبرزها من مهرجان برلين السينمائي.
دراما عائلية على حافة الانهيار
تدور أحداث فيلم الشيطان يدخن في المكسيك خلال تسعينيات القرن الماضي، بالتزامن مع الزيارة الثانية للبابا يوحنا بولس الثاني، وهو سياق زمني يضفي بعدًا روحيًا متوترًا على القصة. تتمحور الدراما حول خمسة أطفال أشقاء يجدون أنفسهم وحيدين بعد اختفاء والدتهم، وهي ممرضة تعاني من أزمات نفسية حادة، بينما ينشغل الأب بالبحث عنها.
يُترك الأطفال في رعاية جدتهم التي تعاني من الخرف وجنون العظمة، والتي تغرس في أذهانهم أن المنزل محاصر بقوى معادية وأن “الشيطان قريب”. هذا التحذير يتحول إلى واقع مشوه في عقول الصغار، خاصة بعد ظهور خمسة أزواج من الأحذية الغامضة، مما يدفع أصغرهم للاعتقاد بأن الشيطان هو من أحضرها، ليبدأ طقوسًا للتواصل معه.
بين الواقعية السحرية والأمراض العقلية
يقدم المخرج إرنستو مارتينيز بوسيو رؤيته عبر منطقة وسطى تجمع بين الواقعية ومنطق الأحلام، حيث تتأرجح الأحداث بين كونها تعبيرًا عن صدمة دينية عميقة أو انعكاسًا لأمراض عقلية متوارثة. لا يقدم الفيلم إجابة حاسمة، بل يبني عالمًا غريبًا ومغامرًا يعتمد على أداء لافت من ممثلين شباب قليلي الخبرة، ليقدم دراما عائلية فريدة.
استلهم بوسيو القصة من ذكريات طفولته، ليبني سردًا يعتمد على تجميع المشاهد مثل فسيفساء عائلية. يركز الـسيناريو، الذي شاركت في كتابته كارين بلاتا، على تفاصيل الطفولة الممزقة وسط أجواء ضبابية، حيث يشعر الأبطال بأنهم يعيشون في عزلة تامة عن العالم الخارجي الذي يراقبونه من بعيد، مما يعزز من مكانة العمل ضمن السينما المكسيكية المعاصرة.
عزلة قسرية وألم الفقد
ينسحب الأطفال الخمسة من العالم ويتحول منزلهم إلى شرنقة غير آمنة، حيث تُغطى النوافذ بورق الجرائد بأمر من الجدة. يتحول الفضاء تدريجيًا من مكان مفتوح إلى مكان يثير رهاب الانغلاق، ويصبح الأطفال سجناء الخوف والحنين، يواجهون ألم الفقد المتكرر لوالديهم وحيواناتهم الأليفة وممتلكاتهم.
يبرع الفيلم في تصوير الرعب النفسي الذي لا يكمن فيما يُرى، بل فيما يُفتقد. ومع تدخل السلطات والخدمات الاجتماعية، يصبح التوازن الهش للأسرة مهددًا بالانهيار، مما يضع الأطفال في مواجهة مباشرة مع العالم الذي حاولوا الانعزال عنه، ويدافعون بسذاجة عن وحدتهم العائلية المتبقية.
طموح فني وتساؤلات مفتوحة
يعتمد التصوير السينمائي، الذي تولاه أودي زاباليتا، على اللقطات القريبة والإضاءة المحكمة التي تترك مساحات واسعة لخيال المشاهد، ليصبح شريكًا في بناء السرد. تُستخدم تسجيلات الفيديو المنزلية القديمة كأداة لاستحضار الماضي، لتكشف عن لحظات يأس عفوية التقطتها الكاميرا، في مشاهد كان يُفترض أن تمثل انسجامًا عائليًا مفقودًا.
رغم الطموح الفني الواضح، يعاني فيلم الشيطان يدخن من بطء الإيقاع أحيانًا، وغموض قد يُفقد القصة اتجاهها. الرموز التي يقدمها، مثل الأحذية الغامضة، تبقى دون تطوير كامل، وكأنها وعود لم تتحقق. يترك المشهد الختامي الباب مفتوحًا للتأويل، ليظل أثر الفيلم عالقًا بين الإيمان والخرافة، وبراءة الطفولة وغموض الماوراء.









