اقتصاد

الاحتياطي الفيدرالي في مواجهة العاصفة: خفض أسعار الفائدة.. ضرورة حتمية أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟

صحفي اقتصادي في منصة النيل نيوز، متخصص في متابعة أسواق المال والتقارير الاقتصادية المحلية والعالمية

في قلب العاصمة الاقتصادية للعالم، واشنطن، يدور صراع خفي لكنه يمس جيوب الملايين حول العالم. فبينما تترقب الأسواق بفارغ الصبر قرار الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة، تتعالى أصوات تحذر من أن هذه الخطوة قد تكون مغامرة غير محسوبة العواقب في ظل وضع اقتصادي ضبابي ومعقد.

تتوقع الأسواق المالية بثقة شبه مطلقة أن البنك المركزي الأقوى في العالم سيمضي قدمًا في مسار التيسير النقدي. وتشير أسعار العقود المستقبلية إلى أن سعر الفائدة على الأموال الاتحادية قد يهبط من مستواه الحالي الذي يزيد قليلًا عن 4% إلى حوالي 3% بحلول نهاية عام 2026، وهو ما يعكس رهانًا كبيرًا على أن المعركة ضد التضخم قد حُسمت تقريبًا.

مبررات الخفض: بين إدارة المخاطر وتوقعات السوق

يستند المدافعون عن خفض الفائدة، وعلى رأسهم رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، إلى حجة “إدارة المخاطر”. يرى باول أن كفة الميزان قد مالت، فلم تعد مخاطر ارتفاع التضخم تفوق مخاطر تباطؤ سوق العمل، خاصة مع تباطؤ نمو التوظيف بشكل ملحوظ. ووفقًا لهذا المنطق، فإن السياسة النقدية الحالية “مقيدة بشكل معتدل” ويجب أن تتجه نحو موقف أكثر حيادية لدعم الاقتصاد.

هذا التوجه انعكس بوضوح في قرار صانعي السياسات شبه الإجماعي بخفض أسعار الفائدة في اجتماعهم الأخير، وهو قرار جاء مفارقًا في توقيته، حيث تزامن مع رفعهم لتوقعاتهم المتوسطة للنمو والتضخم، مما يشي بوجود حالة من عدم اليقين حتى داخل أروقة البنك المركزي.

صورة أعمق.. هل التضخم هو الخطر الأكبر؟

لكن الصورة ليست بهذه البساطة. فهناك من يرى أن التضخم لا يزال هو الخطر الأكبر. لقد تجاوز الفيدرالي هدفه البالغ 2% لأكثر من أربع سنوات ونصف، وهو فارق زمني طويل يثير القلق. كما أن البيانات الاقتصادية الأخيرة تشير إلى أن الطلب الكلي ربما يكون أقوى مما يُعتقد، حيث يتوقع نموذج الناتج المحلي الإجمالي الصادر عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا نموًا سنويًا بنسبة 3.8% في الربع الثالث، وهو رقم لا يوحي بوجود تباطؤ وشيك.

وهنا يبرز التحذير الذي أطلقته محافظة الفيدرالي ميشيل بومان، من أن انتظار البيانات لتأكيد تدهور سوق العمل قد يعني أن الأوان قد فات. ورغم أن السياسة الاستباقية مطلوبة، إلا أنها تصبح خطيرة عندما تكون التوقعات الاقتصادية محاطة بالشكوك. أي تحرك استباقي خاطئ في هذا التوقيت قد يكون مكلفًا للغاية.

جدل “الفائدة المحايدة” وشبح السبعينيات

يطرح فريق آخر، بقيادة المحافظ ستيفن ميران، فكرة أن السياسة النقدية الحالية أشد صرامة مما تبدو عليه، لأن “سعر الفائدة المحايد” – الذي لا يحفز النمو ولا يكبحه – قد انخفض بشكل كبير. لكن هذه الحجة تبدو انتقائية، فلو كان معدل الفائدة المحايد منخفضًا إلى هذا الحد، لكان من المفترض أن تسحق معدلات الفائدة المرتفعة الحالية الاقتصاد الأمريكي، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

يبقى القلق الأكبر هو تكرار سيناريو السبعينيات. فإذا ظل التضخم مرتفعًا فوق الهدف، قد تفقد توقعات التضخم ثباتها، مما يجعل السيطرة على الأسعار لاحقًا أمرًا بالغ الصعوبة والتكلفة، وقد يتطلب الأمر حينها الدخول في ركود اقتصادي عميق، كما حدث في الماضي، لاستعادة استقرار الأسعار.

الخطوة القادمة: قرار صعب في ظل رؤية ضبابية

من المرجح أن يمضي مسؤولو الفيدرالي في خفض أسعار الفائدة مجددًا في اجتماعهم القادم، خاصة في ظل شح البيانات الجديدة التي يمكن تقييمها بسبب تأثير الإغلاق الحكومي. لكن الشكوك تحوم حول ما إذا كان هذا هو المسار الصحيح، أم أنه بداية لدورة تيسير طويلة قد تطلق العنان للتضخم من جديد. ربما يكون النهج الأكثر حذرًا، وانتظار اتضاح الرؤية الاقتصادية، هو الخيار الأسلم في هذه المرحلة الحرجة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *