العقوبات البديلة: كشف تفاصيل “قانون عبد الحكم” ومصيره الغامض

العقوبات البديلة: كشف تفاصيل “قانون عبد الحكم” ومصيره الغامض
في خطوة تعكس جدلاً تشريعياً مستمراً، كشفت وثائق رسمية عن تفاصيل مشروع قانون فريد من نوعه، تقدم به المستشار سامح عبد الحكم، رئيس محكمة الجنايات. يهدف هذا المشروع إلى إحلال العقوبات البديلة عن الحبس قصير المدة والجرائم البسيطة، التي لا تنطوي على خطورة إجرامية، والذي عُرف إعلامياً باسم «قانون عبد الحكم للعقوبات البديلة» أو «مشروع إلغاء الحبس للغارمين والغارمات».
تُظهر المستندات أن رئاسة مجلس الوزراء تلقت في ٢٧ يونيو ٢٠١٩ كتاباً من مكتب رئيس الجمهورية، موجهاً بدراسة المشروع. وقد وجه السيد الرئيس بتشكيل لجنة حكومية تضم الجهات المعنية، مع ضرورة مشاركة معدّ المشروع لضمان التوافق على النصوص النهائية، ما يعكس اهتماماً رئاسياً مبكراً بهذه المبادرة الإصلاحية.
مسار المشروع: ترحيب مبدئي ثم اعتراض مفاجئ
تقرر عقد اجتماع موسع بقطاع التشريع بوزارة العدل في ١٥ سبتمبر ٢٠١٩، لاستكمال مناقشة بنود المشروع. وشهد الاجتماع حضور ممثلي وزارات الداخلية، والتضامن الاجتماعي، والمالية، والقوى العاملة، بالإضافة إلى النيابة العامة، في دلالة على شمولية النقاش.
خلال عدة جلسات، أبدت معظم الجهات الحكومية ترحيبها بالمشروع، مقدمة ملاحظاتها الفنية لتجويده وتطويره. إلا أن اللجنة فوجئت باعتراض صريح من وزارة الداخلية، التي رأت أن «البدائل العقابية الحالية كافية»، وهو موقف تردّد لاحقاً من وزير العدل أمام اللجنة العامة لمجلس النواب، أثناء مناقشة بدائل الحبس الاحتياطي.
تجميد غامض: إحصائية تستغرق سنوات؟
تشير المستندات إلى توقف أعمال اللجنة بشكل مفاجئ منذ سبتمبر ٢٠١٩ وحتى أكتوبر ٢٠٢٥، بحجة إعداد إحصائية عن الجرائم البسيطة. هذا التوقف الطويل أثار تساؤلات، خاصة وأن تلك الإحصائية يمكن إنجازها خلال ساعات عبر مصلحة السجون بوزارة الداخلية، ما اعتُبر مؤشراً قوياً على تعطيل متعمد لمسار المشروع الحيوي.
ويُعد مشروع قانون عبد الحكم سابقة قضائية فريدة في تاريخ القضاء المصري. فهو أول مشروع قانون يتقدم به قاضٍ جنائي لتعديل المنظومة العقابية، واضعاً بدائل إصلاحية تمنح القاضي مرونة الاختيار بين العقوبة السالبة للحرية والعقوبة البديلة، بناءً على ظروف المتهم وجريمته، بهدف تحقيق العدالة التصالحية.
تفاصيل العقوبات البديلة المقترحة
في جوهر المشروع، تكمن العقوبة البديلة المقترحة في “العمل للمنفعة العامة”. كما أجاز المشروع للمحكمة المختصة أن تقضي – إلى جانب هذه العقوبة البديلة – بأحد التدابير العقابية الإضافية التالية:
- تحديد الإقامة في مكان محدد (الإقامة الإجبارية).
- حظر ارتياد مكان أو أماكن معينة.
- التعهد بعدم التعرض أو الاتصال بأشخاص أو جهات محددة.
- الخضوع للمراقبة الإلكترونية متى توافرت الإمكانيات الفنية لتنفيذها.
- حضور برامج تأهيلية أو تدريبية.
تلك التدابير، المستوحاة من التشريعات الجنائية في العديد من الدول الأوروبية والعربية والخليجية، تهدف إلى تقليل نسب العود إلى الجريمة. كما أنها تسهم في الحفاظ على التماسك الأسري والمجتمعي، وتقديم فرصة حقيقية للمتهمين لإعادة الاندماج بدلاً من العزل في السجون.
إشادات دولية ومحلية ثم توقف مفاجئ
لم يمر المشروع دون صدى، فقد نال إشادة من المجلس الدولي لحقوق الإنسان في تقريره السنوي لعام ٢٠١٩، نظراً لما تضمنه من رؤية إصلاحية متقدمة. ودعا المجلس القومي لحقوق الإنسان برئاسة الراحل محمد فائق عام ٢٠٢٠ إلى تبني المشروع وتقديمه رسمياً إلى مجلس النواب، قبل أن تتوقف الإجراءات بشكل مفاجئ وغير مبرر.
يرى مراقبون أن التوجيه الرئاسي الواضح بدراسة المشروع والتوافق حوله لم يُترجم إلى خطوات تنفيذية ملموسة. ويُعزى ذلك إلى الخلافات بين بعض الوزارات المعنية، ما يعكس تحديات التنسيق الحكومي في قضايا إصلاح المنظومة العقابية.
يتساءل قانونيون عن الأسباب الحقيقية وراء تجميد اللجنة الحكومية طوال ست سنوات، رغم ما يمثله المشروع من أهمية إنسانية وتشريعية كبرى. فالمشروع يهدف إلى حماية الحقوق وتقليل التكدس في السجون، وهي قضايا ملحة في سياق العدالة الجنائية الحديثة.
في ظل التغيرات الاجتماعية والسلوكية التي يشهدها المجتمع، تبرز الحاجة الماسة إلى تغيير المنظومة العقابية بما يتواكب مع هذه التطورات. يجب أن يصبح الهدف من العقوبة هو الإصلاح وإعادة الدمج، لا مجرد الردع والحبس، بما يحقق مجتمعاً أكثر عدلاً وإنسانية.











